ما تركته الحرب في مناماتي | نسرين أكرم خوري

العدد 189 | 23 نيسان 2016

نعم بسطاءُ جدًّا؛

يفرحنا كتابٌ جيّدٌ، رسالةٌ من صديقٍ صَمَتَ طويلاً، شراءُ قبّعةٍ صوفيّة، أغنيةٌ قادمة من بعيدٍ، و"خرجيّة" العيد..

كيف استطعتِ أن تتربّعي في صدورنا إذًا أيّتها التعاسة؟

نعم بسطاءُ جدًّا؛

نتنقّل بين صورٍ مبتسمة أمام أقفال الحب على جسور العالم

لأصدقاء صارت خطوطهم مغلقة

وصورهم معنا مصفرّة

نتنقّل بينها و..ندمع.

نعم بسطاءُ جدًّا؛

نبكي حُبًا رحَل

بينما البنادق في أفواهنا.

نعم بسطاءُ جدًّا؛

انظر: مازلنا نحتفي بضيوفٍ وصلوا بلا مواعيد مسبقة

الحرب مثلاً.

***

لم يبكِ طوال الحرب

حتّى قطعوا يده،

كان يحلم بإصبعي نصرٍ صغيرتين

أو أن يبقوا له واحدةً على الأقل

يرفعها في وجه العالم.

***

كلّنا أقوياء

انظر كيف جررنا هذه الحرب الثقيلة

إلى استهلالاتٍ لنصوصنا

بحرفٍ صغيرٍ:

"في"

***

تغيّرنا كثيرًا

صار أي شيء قادرًا على قتلنا

حتّى رغيفُ الخبز.

***

كتبنا عن الحبّ

وأطلقنا على ذلك

"ثقافة الحياة".

نحن الّذين تفنّنوا في الغزل

ولم يجدوا أبلغ من جملة:

"بموت فيك"

***

الذين ماتوا وهم يحلّون معادلات رياضية

صاروا أرقامًا

أكمل بها فيثاغورس وأصدقاؤه براهين نظرياتهم.

***

الموت؛ الطالب الوحيد

الّذي لم يتعلم العد للعشرة.

***

من زرعوا حباتِ الفول في قطنٍ مبلل

لم يجدوا من يضع القطن في أفواههم

كيف نَمَت فوق أجسادهم نباتات كثيرة؟

***

استظهروا أسماء وسير شخصيّات عدّة

ووحده الموت حفظهم عن ظهر قلب.

***

أستطيع أن أقف في مواجهة أسباب الحياة

وأقهقه طويلاً

بقميصٍ بلا جيوب

وأحجارٍ اخترتها بعنايةِ من تنتقي الفاكهة.

أستطيع أن أخطئ في أمورٍ أكثر قيمةً

كأن أرسم ظلّ أرنبٍ على الجدار

فتصرخ صديقاتي: فأر.

أعزف على الأورغن

تتهامس الجارات: في حيّنا بيانو.

أشبك يده كي نعبر الشّارع

يقول: أحبّكِ.

أشير إلى البلاد

ولا أسمع نبضًا.

أستطيع أن أكتب كثيرًا عن الموت

الوغد الّذي يخطئني دومًا.

***

أعضاء مبتورة كثيرة تركتها الحرب في مناماتي

صباحًا يتحسّسني العالم

ألَمًا شبحيًّا له شكل امرأة.

***

اكتبي..

عن كشّاشي الحمام

عن صفيرهم وكلماتهم غير المفهومة

عن أحذيتهم العتيقة المتطايرة

عن تلصّصهم الوقح

عن شهاداتهم الّتي صارت مقبولةً

أكثر منّا نحن الفصيحين

من نتأمّل سرب الحمائم في العصر

بعد أن نفرغ من نتف ريش آخر جثّة حافية

لصديقٍ أطلنا التّحديق به.

***

الحزن؛

كنّا ندقّ مسمارًا في رأسه

ونعلّقه على الحائط خلفنا

متمنّين أن نُسأَل عنه كي نجيب:

" عذرا. ليس للبيع".

إلى أن رأيناه معروضًا داخل الشاشات

وبأبخس الأثمان.

الآن لم نعد نملك سوى هذا الخوف

تستطيعون أخذه مجانًا

فقط أحسنوا استخدامه.

***

كان لديّ صديقةٌ

لا تعرف شكل "الندم".

أتمنّى أن أراها اليوم

كي أقول لها:

حدّقي في عينيّ أكثر.. أكثر.

***

الّذين لا يكرهون أحدا

هل يقعون في الحب؟

*****

خاص بأوكسجين

روائية وشاعرة من سورية. صدرت لها مجموعة شعرية بعنوان "بجرة حرب واحدة" 2015، ورواية "وادي قنديل" 2017.

معلومات الصورة
اللوحة من أعمال دلدار فلمز، تشكيلي سوري من مواليد القامشلي 1970 له العديد من المعارض الفردية والمشتركة وكتابات في النقد التشكيلي والأدبي في الصحافة العربية والمحلية.

مقالات أخرى للكاتب