كوردة وجدت مزهريتها أخيراً | أمينة الجدعاني

العدد 218 | 5 أيلول 2017

قلبي

قبل أن يتفتح الورد بقلبي، وأستوعب حكايا الحب والعشق، كنت أقف كحبيبة عنيدة وأدافع عن عشاقي بشراسة، أولئك المنهزمون الذين لفظهم الحب كما يلفظ الجائع شوكة علقت بحلقه، أولئك المنسيون من كتب التاريخ، المسجّون على أرضيات صور الأبيض والأسود في كتب الحروب، البائسون، المشوهون، من يرحلون من دون أن يتذكرهم أحد ويبكي عليهم بحرقة، كنت أجمعهم كأطفال وديعين جميلين، أحدهم أحفظه في جيب فستاني الأصفر، وآخر في حقيبتي الزرقاء، وذاك أسفل سريري، وآخر كان يحب أن يبقى داخل يومياتي، وآخر كان يتسلق خصلات شعري الجعدة الصهباء، وذاك كان معلقاً في أذني كقرط أترك له حرية الهمس بأمنياته، يتأرجح وهو يضحك فأضحك معه.

بعضهم كان يختبئ حين تطرق أمي الباب، كجيش من النمل منظم وسريع، هكذا في لمحة بصر، كنت أجمعهم بعد أن أعود من المدرسة، ونتقاسم وجبة الغداء نضحك كعشّاق يجتمعون على مائدة فاخرة رغم أنها كانت من الخضار التي لا أحب والأرز المسلوق والدجاج، بعدها نقفز معاً على شرفة نافذتي التي بلا حاجز حتى أني مرة غاليت في الحب فسقطت ولم أصب إلا بخدوش كعلامات أحتفظ بها على حكايا الحب تلك، أركض في غرفتي كما لو أني تحت المطر أرقص ثم أضحك عالياً وأعود لأرتدي فستاني الأزرق الحريري وأطعم أحبابي المحزنون من قلبي، كانوا جائعين جداً وكنت مفرطة الحنان.. فأطعمتهم قلبي كله.

في الخامسة عشرة من عمري، حين تفتح الورد، كنت أرى صديقاتي يتبادلن قصص الحب، وأنا أغطي بيدي الحفرة الغائرة التي كانت فيما قبل قلبي.

**

 مع الصباح

ماذا يعني أن أتصالح مع الصباح مجدداً؟

أن أتخلى عن عبء الليالي الماضية، وبقايا الكوابيس التي تعلق على جلدي، وتتنفس رائحتي وتحفظها؛ لتطلق كل ليلة وحوشها في أثري،  في كل مرة أغمض فيها عيناي.

البارحة، خلعت رائحتي وارتديت رائحتك، كيف ضلت تلك الوحوش أثري، حتى ابتعدت كثيراً، كما لو أنها فقدتني للأبد!

أن أستيقظ صباحاً وأنا أبتسم بمزاج عال، من دون أن أحنق على الطيور التي تغرد كل يوم، من دون أن أغلق ستائري فزعة من حدة شعاع الشمس، كحلت عيناي بك، وفتحتهما لألتقط دفء الشمس وأضحك، أسقي الورود الطالعة بنطق اسمك لهم سراً، فتزهر.

**

في الكهف المظلم

في الكهف المظلم،

على بعد خطوات،

هناك،

حفرة عميقة،

سنسقط فيها جميعاً.

لن نصرخ،

سنضحك ظانين أن

هذا الهواء المتدفق

قادم من مخرج قريب

لا من سقوط في هاوية.

**

بهلع منطقي

بهلع منطقي واجهت حياتي

حين بدت ككيس بلاستيكي

يلتف حول وجهي،

كنت أتنفس بسرعة،

بأصابعي أحاول تمزيق الكيس

لكنها كانت ملساء طرية

ككل شيء حولي

ولا أداة حادة معي،

بدأت أشعر بالدوار

وحلّ الخدر بأطرافي،

كنت أود الاستسلام فحسب

إغماض عيني والنوم مختنقة

لكني ابتسمت بشفتين زرقاوين

وهالات داكنة

حاولت التنفس بهدوء شديد

وبحثت عن سبيل يوقف الهلع،

بدأت التأقلم

بنفس هادئ بطيء

حتى جاءت تلك اللحظة

حين ظننت أني ما زلت أتنفس بهدوء،

لكنني توقفت

هادئة كميتة

صدقت أن رئتيها الساكنتين

تمنحان جسدها لحظة شهيق عميقة،

الشهيق الذي لم يصبح يوماً زفيراً.

**

الربيع

الربيع موسم مناسب للرحيل..

سأكون الوردة التي جفت باكراً

في أول الربيع،

وردة زاهية

نضجت قبل أوانها

لتسقط بهدوء

على أرض مكتظة

بالعشب الصغير

والنمل الذي بدأ رحلته الطويلة

لموسم قادم،

النمل الذي سيحملني على جسده الزجاجي

 

كوردة وجدت مزهريتها أخيراً.

**

خيبة خضراء

مع كل خيبة خضراء

أنزع أمنية من قلبي

وأعلقها بدبوس حاد

على جدار الأيام،

هكذا أمنيات محنطة وناحلة،

تذكرني كل مرة بما كنت عليه

قبل أن أغدو بكل هذا الخواء البارد.

**

على الهاوية

كشجرة على الهاوية

تكبر وهي تربي شهقتها

كلما نظرت للأسفل.

محاولة مدّ جذورها نحو القاع كدلو ماء في بئر قديمة،

تفرّع أغصانها بحذر رجل يتهادى على حبل السيرك،

وهي تهمس للهوة :

متى السقوط؟

تعبت من كل هذا الدوار.

**

مُبتلع الظلال

العاشق الذي ابتكر

الماسكارا والكحل المقاومتين للماء

اعتاد أن يبتلع الظلال المنسابة

من عيني حبيبته

كجدولين خالطهما الكدر.

العاشق الذي وقف طويلاً

أمام اختبار المنتج

على عيني عارضة حزينة

وقف ينتظرها تبكي؛

ليغسل أكوام الظلال

التي تكدست داخله.

**

عزلة

بعد كل عزلة،

يصبح الكلام سكيناً

والظهور شتاء

حين يتبلل جسدي

برهبة اللقاء.

أعود لهم بخطوات طفل،

بطيئة،

متعثرة،

وغالباً لا أصل.

*****

خاص بأوكسجين

شاعرة وكاتبة من السعودية.

معلومات الصورة
الصورة من رسومات الروائي الأمريكي ويليم فوكنر (1897 – 1962).