كوابيس ليون الخضراء | قصي اللبدي

العدد 158 | 3 أيلول 2014

1

كل ما يحيط بـ "ليون" يمثل برهانا على وحدته. 

جارته في الغرفة المجاورة ذات الأذرع الخضراء الطويلة، تقضي ساعات نهارها متكئة على حافة النافذة، مثل زوجة متذمرة، لا تعرف ما الذي تريده تحديدا. لا أفكار واضحة في رأسها. كل ما تحلم به، في ساعات اليقظة والنوم، هو قفزة واحدة في الهواء، قفزة عالية تحررها من كل ما له علاقة بليون ومنزله الصامت هذا.

إنها تنظر الى الجانب الآخر من العالم، هناك، في الأسفل، حيث تجلس شقيقاتها على الأرصفة، أو يتمشين على سيقانهن بطمأنينة تامة، من دون أن يتلفتن من فوق أكتافهن بين لحظة وأخرى، كما تفعل هي مدفوعة بمخاوفها. 

ليون الوحيد ونبتته اليائسة، يعيشان حياة خالية من الأصوات في منزلهما ذي الإضاءة الشاحبة. 

هكذا كان على الرجل أن يحتفظ بنسخة هادئة عن الحياة التي تنمو ببطء، بين جدران منزله. وأن يذود عنها - إذا تطلب الأمر ذلك - كما يذود عن حياته. لكنها لا تكتفي بذلك. ما نفع محبتك لي إذا لم تحررني؟ 

تسأله، فيلتفت إليها ولا يجيب.

يعلم ليون، الذي يشبه غصنا مقطوعا من شجرة، أن جارته الخضراء تريد أن تزورها الشمس في مكان آخر، بعد أن تمد جذورها عميقا في الأرض. لكنه يرى الحياة مكانا غير آمن لها.

هي ذي تقضي الساعات الطوال متكئة على حافة النافذة، تراقبه بلا كلل وهو ينتقل من غرفة الى أخرى، بانتظار أن يرتكب خطأ ما، خطأ واحدا، يحررها الى الأبد. 

ولسوف تواصل التظاهر أثناء ذلك بأنها مجرد نبتة خضراء، صغيرة، وخائفة.

 

2

ليون قاتل مأجور. لكن هذا لا يعني أنه بلا قلب.

يمكنه، إذا اضطر الى ذلك، أن يساعد امرأة مسنة على قطع الشارع، وأن يقدم خدمات لا حصر لها للآخرين. لكنه لن يبادر بإلقاء التحية على أحد، لا لأن الناس الذين يصادفهم في الطريق، أو في مصعد البناية، هم أهداف محتملة لمهماته الحاسمة، فقط، بل لأن فكرته الوحيدة عن التواصل تقوم على الرعاية السرية، والمطلقة، للأشخاص الذين يحبهم.

3

كوابيس ليون: ماذا لو كان الشخص الذي يحتاج الى المساعدة نبتة خضراء، صغيرة؟ كيف يمكن للقاتل المأجور أن يتجاهل وجودها، فيوليها ظهره ويذهب بعيدا؟ لقد حدث ذلك فعلا.

فتاة صغيرة، تُقطع من شجرة على مرأى منه.

4

سيحاول لاحقا أن يقنع الطفلة بأنها ليست مجرد غصن. "لا تنسي ذلك" يقول، ثم يواصل البحث عن حياة مناسبة لها. لكنها تصر على البقاء في منزله الصامت، ذي الإضاءة الشحيحة. وتتمدد بوحي من مخيلتها الخضراء،كأنها وجدت تربتها أخيرا بين جدران هذا المنزل.

5

ليون، القاتل المأجور، سيجد نفسه مضطرا - في نهاية المطاف - لأن يتقاسم حياته الصامتة مع نبتة تظن نفسها فتاة، وفتاة تصر على أنها شجيرة من لحم ودم. وفيما هو ينام على حرف، يسمع أصواتهما تتبادلان موقعيهما، موشكتين على الانفجار ضحكا..

_______________________

شاعر وصحفي من فلسطين مقيم في الإمارات

 

الصورة من أعمال التشكيلي السوري اسماعيل الرفاعي

*****

خاص بأوكسجين

شاعر وصحافي من الأردن. من مؤلفاته: "ليكن لي اسمك" 2011 و"فرد في العائلة" .2014

مقالات أخرى للكاتب