كمَّامة بدلَ أحمر الشفاه | خالد بن صالح

العدد 254 | 12 نيسان 2020

لا شيء ليُكتبَ أمام كساد الوقت، هناك مؤامرةٌ ضدَّ الكتّاب غير المدّعين، الذينَ يحملونَ معاولَ قديمة ويحفرون في أرضٍ صلبة. سجناءُ الوظيفة الذين يسرقونَ لحظاتٍ غائمة ليكتبوا جملةً واحدة، وبعد أن يفتحوا دفاترَ الكتابةِ ليلًا يمحونها وينامون. أبناءُ الخيبة، ممَّن ضاقت بهم السُّبل، روّادُ المقاهي والحانات، أنا منهم، ولا أُرى إلَّا في الزّحام: رأسٌ بشعرٍ صارَ أطولَ قليلًا، وصوتٌ مبحوحٌ يعلو في مظاهرةٍ تبدأ من أوّل الشارع ولا تنتهي. وفي الشارع الطويل أجرُّ أثقالًا وأدفعُ صخرةً ويأكل نسرٌ من كبدي صبح مساء. لستُ أبالي، ما دمتُ أمشي ومعي ظلالٌ كثيرةٌ وملائكةٌ يدخّنونَ بشراهةٍ وهم يغنّونَ للثورة.

*

شوارع خاليةٌ، وساحاتٌ يصيبني فراغُها بالفزع؛ تلك قصيدةٌ لن أكتبها.

*

المداخلُ أمست منجاةً، عكسَ المخارجِ، كما الأبواب المقفلة، وغيرها من الحواجز والجدران. الديتول والكحول، الكلور والصّابون، الكمّامة بدل أحمر الشفاه، وهكذا من اختلالِ العاديِّ. وأنا أجرّدكِ من ملابسك، من كلّ الأخبارِ العاجلة، بخلفيتِها الحمراء كشريط صدريتك بين أصابعي. في تلك الحركة العادية، الاستثنائية الآن، حيثُ أفكُّ الشريط الأحمر؛ كلمات كثيرة تسقطُ من يدي، أراها تتخبَّط، تختنِق وتموتُ على أرضية الغرفة الباردة، في هذا الشهر الكئيب.

*

التفكيرُ في الأمسِ، غير البعيد، أمسى ترفًا اليوم.

*

سيبدو من التّرف أيضًا استعادة إليوت، وأرضه اليباب، ستتحوَّل عباراتٌ بأكملها، مثل: دفن الموتى. نيسان أقسى الشهور. إلى أشرطةٍ سوداء توضعُ على صور القتلى. سأحتكمُ إلى ما هو بديهيّ في الحديثِ إليكِ، إلى أنَّ الأشياء تحدثُ بسرعةٍ، وقد لا يكون هناكَ وقتٌ لشيء. فقط، عرباتٌ مليئةٌ بالفحمِ يخرجُ دخَّانُها من صدري، كلَّما ضحكتُ واشتعلَ السّعال اللّعين. تقولينَ بغضبٍ، وأنتِ تقفينَ أمام المرآة، بشعرٍ أحمر مبلَّل، يصنعُ جداولَ صغيرة على كتفيكِ، وفي تجويف ظهرك: "صبغةُ الشَّعر الصِّينية هذه، غير صالحة للاستعمال".

*

لا صخب هنا، ولا عنف، الصَّمت أشدُّ فتكًا.

*

سأتحدثُ إليهَا، كما أفعلُ من وراء زجاج الستوديو في الإذاعة، صوتي يرتعش، أمامي ميكروفون وأوراق عليها خربشة قلمٍ جافّ، ستقرأ بدل قصائدي المهمَلة في أربعة كتب، عن مُصابين جدد كلَّ ساعةٍ، ووفياتٍ بنسبٍ مرتفعة. ستتبدَّلُ ملامحُ وجهِها، ويصحو مشرَّدو نيويورك، ممَّن كانوا نائمين تحت عينيْها، ليجدوا أنفسهم بلا حلمٍ أمريكيّ، ولا أحد.

*

فعلًا، إنِّي أسمعُ سعالَ ملائكةٍ متعبين.

*

احمرارُ العينينِ، احمرارُ الرقبة، احمرارُ الأفكار في الـ كرنتينا، شهوةُ القراءة، شهوة النَّوم، شهوة الكسل، لا شيء غير الألم، والأرقام التي تتحوَّل إلى سكاكين صدئة. يا لجسدكِ المحجور يبحث عن مسافاتٍ ليقطعها. جمالٌ مهولٌ لا قبل لي به. قضيتُ عشر سنواتٍ أتحاشاه من شاشةٍ إلى أخرى، وما بدت السماء زرقاء إلا حينَ انتفضَ مرتعشًا، وأزاح غيومًا تكبَّدتُ عناء تجميعها في يوم قائض.

*

على صور الأصدقاء أقتات، وتلكَ مؤونتي كلَّ مساء.

*

في غيابكِ لدقائق بين المطبخ والغرفة، أعيدُ بناء بيتٍ فقدتُه في مشاوير خارجَ البيت. أسكنُه لساعاتٍ طويلة تبدو هلامية. وأبدو حيالها مثل جملةٍ مملَّةٍ تمرُّ كنعشٍ صامتٍ فوقَ بساط أحمر.

*****

خاص بأوكسجين

شاعر من الجزائر صدر له "سعال ملائكة متعبين" 2010، "مائة وعشرون متراً عن البيت" 2012، و"الرقص بأطراف مستعارة" 2016، و"يوميات رجل إفريقي يرتدي قميصاً مزهراً، ويدخن L&M في زمن الثورة" 2019....

معلومات الصورة
الصورة من أعمال الفنان العراقي إلياس سلام

مقالات أخرى للكاتب