قطار الشعر يصل إلى السينما | قيس الزبيدي

العدد 257 | 13 حزيران 2020

قلّما تطرق الشعر الحديث، على الرغم من غنى مواضيعه، وتنوع قضاياه، إلى موضوع السينما، بينما نجد، إن شعر بندر عبد الحميد، على العكس من ذلك، غالباً ما يجعل قصائده تقترب من عالم الأفلام وتحاكي أبطالها، وإن الشاعر يوظف، كناقد أيضا، معارفه السينمائية، ليعبر عن الأفكار، التي تشغل باله: نصحو من غفوتنا في هذا الكهف الساحر دكان الأحلام المجنونة والحب وأفلام الرعب...    والأفلام السرية قبل أن يصل قطار الشعر إلى محطته الأخيرة، وهي الأولى التي وصل إليها قطار سينما الأخوة لوميير في العام 1895، يتوقف مرات عديدة في محطات، ليغادر مسافروه  القطار، في كل مرة، بعد أن يصلوا، واحداً تلو الآخر، إلى محطاتهم: أولهم دراكولا، مصاص الدماء، وبعده القرصان ومن ثم الممثل المتقاعد، وبعده العميل السري جيمس بوند، وغيرهم.لكن آخرهم، الشاعر، الذي  يتابع الرحلة ويتذكر: وعلى السطح المائل، صناديق مهشمة، ودولاب دراجة مسروقة، ضاعت في فيلم إيطالي، قبل خمسين عاماً. وسيكون الهدف من الرحلة، ليس الوصول إلى أي محطة، إنما الاستمرار في رحلة، يتوقف فيها القطار في محطات الأفلام وشاشاتها المليئة بالخيال والواقع.

أين تسافر هذي الليلة؟ صوت قطار.. يعبر سور السجن، صوت قطار يعبر وجهك، سافر وحدك.. نحو ربيع لم يتفتح بعد... وخل وراءك باب السجن، وخبز السجن

وكأن الشاعر هو الذي يقود مسيرة القطار، ليصل بقرصانه، إلى تلك الأرض المليئة بالسيوف والمعابد والجمهوريات والقطارات التي تحمل الذهب: القراصنة يهاجمون السفينة, ويغتصبون الجواري، يبقرون بطون البحارة، يثقبون قاع السفينة بحثاً عن الذهب...

يغرق الذهب ويضحك القراصنة. الضاحك، الخالي إلى هونولولو، لا شيء سوى أسعار الذهب... وكما يشتري الطفل بالوناً بقرش، تشتري الشركات فندقاً أو جنرالاً بحفنة الذهب.

وبعد أن يودع الشاعر قرصانه الضاحك، نسمع صفير رثائه المُوجع: أيها الأصدقاء الأمريكيون، في كل الولايات والمستعمرات، أيها المولعون بسيارات السباق، والمسدسات كاتمة الصوت، دعوا هذه الممثل العجوز، ينعم بالراحة، يركب الخيول في مزرعته القديمة، يتذكر أدواره الثانوية في الأفلام السوداء، ويدعو عشيقته إلى الرقص، ثم يبتسم أمام الكاميرا.

وحينما يصل القطار إلى محطة لوميير، فان الرحلة تكون، بالنسبة للشاعر، قد انتهت، رغم إنها، لم تكن قد بدأت، فذلك الوصول أعلن، في الواقع، بداية رحلة، عمرها الآن أكثر من مئة عام، رحلة لم تنته ولن تنته: القطار يصل إلى المحطة، تهاجر الأفلام كالطيور، تعيد كتابة التاريخ، من حصان طروادة إلى ميكي ماوس، من لص بغداد إلى دراكولا، من كاليغاري إلى هتلر، الدماء تغطي الشاشة، وحمى قصائد بودلير، تلهث في شفتي ب.ب (بريجيت باردو).

وقبل أن نغلق كتاب"الأعمال الشعرية" لبندر، ويودعنا، ليذهب إلى، حياته السينمائية،  سيرمي لنا بنصيحته الأخيرة: أغمضوا عيونكم قليلا، وانتظروا اللقطات الأولى، على هذه الشاشة، مهرجان الحب والحرب، أكبر المعارك في تاريخ الدبابات... ومن المؤسف يا اورسون ويلز، أننا لا نستطيع أن نعيش كل قصص الحب، أو نرى كل الأفلام الجميلة، منذ ولادة السينما حتى نهاية القرن القادم !

 

***

 

من أين يأتي الشعر في السينما، وكيف تنشأ العلاقة بين السينما والشعر؟

كانت السينما الصامتة أقرب إلى الشعر، والآن حينما نشاهد فيلماً ناطقاً حواره قليل، نجد صوره تقترب من التعبير الشعري. ونرى أن الشعر، وهو الأقدم، أثّر ويؤثر في السينما، رغم أننا نعتقد أن السينما أثرت في الشعر الحديث أيضاً.

في حوار طويل مع الناقد والشاعر بندر عبد الحميد حول شاعرية السينما كدنا أن نقترب أكثر من بعض خصال السينما، كيف؟

السينما جمعت كل الفنون، إضافة إلى التقنية، ويوجد فيها أيضاً شعراء. جان كوكتو مثلاً، جمع بين الموسيقا والمسرح والشعر والرسم، وعمل في السينما: "دم شاعر" و"أورفيوس".

ربما علينا أن نميز بين نوعين من الشعر، شعر لا يلامس الحياة بل يلامس الخيال، وشعر يلتصق بالحياة. السينما حالة مزدوجة تجمع بين عنصرين سرديين، احدهما "الصورة" وهو عنصر محسوس والثاني "الصوت: كلام وموسيقى" وهو عنصر مجرد. والغريب أن كل ما ينقص دلالة واقعية الصورة الحسية، يتم استكماله من المجرد؟

ولنذكر هنا المفارقة التي أشار إليها المؤرخ جان متري حول السينما "التجريبية"، وكيف وجدت، هي تغامر، في الفيلم "فن العين" كما وجدت في الموسيقا "فن السمع" وكيف حلم مريدو هذا الاتجاه، فيرتوف وروتمان مثلاً،في الوصول بالفيلم إلى"سيمفونية بصرية" خالصة.

المسألة تبقى في كيف تتحول الموسيقا كيف يتحول الكلام ليكوّن كل منهما الجزء التعبيري المتمم لطبيعة السرد السينمائي. فمن الخطأ أن تتم عملية تحويل من فن إلى فن آخر دون مراعاة خصوصية وطبيعة كل فن على حدة.

كيف تتكون إذن الرؤية الشعرية في الفيلم السينمائي؟

لنأخذ الهولندي التسجيلي يوري إيفينز في واحد من أول أفلامه الأولى "مطر" وفي واحد من آخر أفلامه "ميسترال" أو "الريح". السؤال: كيف يستطيع فنان سينمائي أن يصوّر المطر أو الريح؟ عليه، كما فعل إيفنز، اللجوء إلى معالجة صوره شعرياً. فالشعري ليس نزعة أو رغبة، الشعري ينتج عن "الفكرة" التي تستنبط من طبيعة المادة الفنية المصورة.

ويسأل سائل: كنا نقول إن الشعر كلام موزون مقفى وذو معنى، والآن نقول إن الشعر الحديث يقوم أساساً على انزياح الدلالة اللفظية في ابتكار صوره الفنية، فهل نستطيع أن نقول إن السينما الشعرية تقوم أيضاً على انزياح الدلالة المرئية في الصورة، من أجل الوصول، عن طريق الاستعارة والمجاز والكناية والرمز، إلى "معنى ثان" للأشياء.؟

على الرغم من بعض التيارات العديدة التي كانت تذهب بالسينما، في محاولة سرد الحكاية بأسلوب يعتمد أولاً على الحركة والإيقاع، إلى مدارس الرسم كالسريالية أو إلى المسرح كالتعبيرية أو إلى الموسيقا كالسيمفونية البصرية، فإن كل هذه التجارب قادت إلى ابتكار أشكال سينمائية تقترب من بنية الصورة الشعرية ومن بنية أيقونة اللوحة التشكيلية ومن أفضل تقاليد السرد في فترة السينما الصامتة.

 

 

مخرج ومصوّر وباحث سينمائي. رائد من رواد السينما التسجيلية العربية، من أفلامه التسجيلية: "بعيداً عن الوطن"، و"فلسطين سجل شعب"، و"شهادة للأطفال الفلسطينيين زمن الحرب"، و"وطن الأسلاك الشائكة". وقدّم روائياً "الزيارة" 1970 وهو فيلم تجريبي قصير، و"اليازرلي" 1974 فيلم روائي ت...

معلومات الصورة
الصورة من أعمال الفنان الهندي موهان سامانت (1924 – 2004)