قائمة أمي للأفلام الممنوعة في المنزل | مالك م. رابح

العدد 256 | 23 أيار 2020

 

بسبب طبيعة عمله التي تستحضر غيابه، ترك أبي لأمي مقص الرقابة على طاولة المطبخ. في البداية، كان وجود المقص مُلتبسًا عليها، فهي من ناحية لا تعرف ما الذي ينبغي عليها أن تفعل به، ومن ناحية أخرى خمّنت أن المقص ثلم، وبالتالي لا فائدة منه. لقد كانت تتخذ موقفًا مُحايدًا من الحركات التي لا تفهمها فكان طبيعيًا أن تتجاهل وجوده لحين حصولها على تفسير ملائم، لكنها وبعد وقت قصير من عودة أبي إلى البيت، لاحظتْ أنه لا ينتبه أصلًا إلى وجود المقص على طرف الطاولة، كما لو أنه لم يضعه بيديه هناك، قبل أن يرحل في صباح باكر. أمهلته يومًا أو يومين قبل أن تقرر أن تضع المقص فوق الثلّاجة.

كانت أمي تُحب السينما المصرية والسينما المصرية فقط، وحيدة في المنزل الكبير أغلب الوقت كانت تترك الفيلم يكرّ تلو الفيلم علّها تتناسى فقر بيئتها الجديدة إذا ما قصمت حزمة من أعواد السباغيتي أو شهقت على حلة ملوخية، وشكّل أطفالها بوابات خروج من وحدتها الطويلة، وهكذا فإنهم أبصروا الأبيض والأسود في أفلام الخمسينيات والستينيات قبل أن يبصروا الألوان في الشارع، مجبرين كل مرة على مُشاهدة أستاذ حمام يضع يده اليمنى على خده وهو لا يعرف ماذا سيصيبه بعد كلمة النهاية. هذا بالطبع، قبل أن نقوم بثورة صغيرة عليها وعلى السينما المصرية ونكسر التلفزيون حرفيًا لنثبت لجمهور خفي على كنبة الصالة أن ما بالداخل ليس حقيقيًا أمام اللعب الممطر بالخارج.

لابد أن المقص تحرك من فوق الثلاجة قبل أن نكسر التلفزيون رغم أنّي حين أبحث في رأسي لا أجد دليلًا واحدًا على ذلك، لقد جعل الإنهاك المصاحب لمُشاهدة خمسة أو ستة أفلام في اليوم ملاحظة فتح وقفل المقص أمرًا مستحيلًا بالنسبة لنا، فحتى إذا حدث أمامنا - عيني عينك - فمؤكد أننا استقبلناه كمسرب هواء في لحاف من الوجوه الثقيلة، لقد كان علينا انتظار الأيام الهادئة من الأفلام القليلة لما بعد الثورة الصغيرة لنشهد الظهور الأول للمقص، لم يكن صاخبًا أو عنيفًا كما لم يكن أيضًا ملائمًا لحركات أمي، كان الأمر يبدو وكأنها تفعل ذلك على مضض، بالطبع لم يكُن ما شعرت به أضعفَ الإيمان بنبل معركتنا، التي لم نكن نعرف أننا نخوضها، ضد الرقابة، إنه الاستياء ما كان يُملي عليها حركاتها، ففي الوقت الذي كانت تريد فيه أن تمنع عنّا ما يعرضه التلفزيون كانت تريد لنفسها المشاهدة، في السابق، لم تكن مضطرة إلى إغلاق التلفزيون، فبمجرد أن تأمرنا بالابتعاد كنّا نسرع إلى الجري في الشارع أو إلى مصارعةٍ بالوسائد والأيدي في غرفة نومنا، لكننا الآن، وقد أتينا بمزاجنا وتركنا الأحذية المهترئة من اللعب في الجزامة جالسين وأيادينا في حجورنا على الكنبة في الصالة، كنّا نرفع حاجبًا في وجهها ثم نعود لمتابعة ما يُعرض، ربما كان الالتباس الذي أثاره في البداية وجود المقص سببه معرفتها بأن ثلامته تعني بالضرورة أنه لا يصلح سوى في قطع الفيلم كله على بعضه من البداية إلى النهاية ومعرفتها أيضًا بأنه حين يُستخدم علينا فإنه أحيانًا، بشكل أو بآخر، يُستخدم عليها هي أيضًا.

تتعلق أقدم ذكرى عن المقص في رأسي بفيلم "النعامة والطاووس" رغم أنّي ساعات أفكر أن البداية كانت مع "النوم في العسل" (الفيلمان، في لا دلالة، يجمع بينهما خيط العجز الجنسي وموسيقى عمر خيرت) لكن يحدث أن أعود إلى الأول لأنه يحمل في حصّالته تاريخًا غريبًا مع الرقابة يلائم وضعه هناك وكذلك يوجد في جيبي ما يمكن حكيُه بعكس المتأخِر . لسوء حظها، اختبرت أمي معرفتها حيال المقص تلك الليلة؛ لقد كان مرور خمس دقائق فقط كافيًا لتنهمر على رأسها أسئلة سقراطية لا بد أنها أشفقت على نفسها من إجابتها هذا قبل أن يخونها الحظ وتظن أنها أسلمتنا إلى النوم في حين كُنا قابعين في الخفاء الذي توفره مواقع استراتيجية بين كراسي الأنتريه نتابع معها النصائح الجافّة الوعظية للعتيقة لبلبة.

بالنسبة لنا كانت قائمة أمي للأفلام الممنوعة في المنزل مقبولة حتى ولو كان جزء من ذلك القبول يرد إلى عدم تقيدنا بها في الحقيقة. يحسب لأمي أنها لم تكن بقسوة أمهات أخريات – تقريبًا حدث في صباح واحد أن ترك كل آباء المدينة كل مقصّات الرقابة على طاولات المطبخ - فلم تَكُن قائمتها لا نهائية كالمفروضة على بعض زملائي من المدرسة ولا تعسفية وتُطبّق على غير السينما المصرية أيضًا كما كان يحدث مع أولاد عمتي، فبجانب "النعامة والطاووس" و"النوم في العسل"، ضمت قائمة أمي للأفلام الممنوعة في المنزل "لحم رخيص"، "فيلم ثقافي"، "مذكرات مراهقة"، "أسرار البنات"، "سهر الليالي"، "بحب السيما"، "الباحثات عن الحرية"، "ليلة سقوط بغداد"، "الآخر" ليوسف شاهين لأنها اكتشفت أن كل نساء الشارع يمنعنه. حتى "جاءنا البيان التالي"، كان له نصيب من المنع لفترة لأنها، لسوء حظنا هذه المرة، دخلت علينا أثناء إعادة إحياء مشهد سينمائي في غرفة الضيوف، بالضبط عند اللحظة التي خلعتُ فيها البول-أوڨر أمام جمهور مكون من أخي وأولاد الجيران بينما صرخت إحدى بنات الجيران بضمير حيّ: وكمان راس حربة، هو أنا ناقصة؟

في غفلة من أمي وبخطوات محسوبة من جهتنا، شاهدنا كل تلك الأفلام ولم نعرف لماذا كانت تنتفض وتُسرع إلى مقبس التلفزيون، حتى مع تدقيقنا وتمقيق أعيننا، كانت الأفلام عادية جدًا ولا تقدّم، حتى من الناحية الجنسية، أي جديد لنا، وجدنا في اثنين أو ثلاثة منها مُتعة حقيقية في حين كانت المتعة المُتعلقة بالبقية تخص شغف المغامرة لا غير. أحيانًا، أُفكر أنه بما أن الانتفاضة والإسراع إلى مقبس التلفزيون كانا يعنيان كتابة الفيلم في قائمتنا السرية لما ينبغي علينا في القريب جدًا مُشاهدته فإنه كان على قائمتها أن تضم أفلام أخرى أكثر إثارة للاهتمام ربما محت، بهذه الطريقة، إساءة الاستعمال التي لحقتنا في السنوات الأولى. لقد كانت قائمتها مضحكة، صغيرة تتنفس في نطاق محدود للغاية ومُتأخر عن الزمن يبدأ بعد ولادتي وينتهى تقريبًا بعد خروج أخي من الابتدائية، إن هذا التجاهل الغريب للتاريخ الطويل من الأفلام المثيرة للجدل قبل ولادتنا يحرك الريبة داخلي، هل صارت كل تلك الأفلام القديمة مُسالمة لأن ما يحدث في شوط المُباراة الأول الذي انتهي بتعادل سلبي يمكن تجاهله في الشوط الثاني؟ أم لأنها غفرت، تحت ثقل التحوّل إلى نسخة من أمها، كل أخطائها آملةً أن يتكرر الأمر معنا؟ أم أنها، وهذا أدهى، أرادت بخبث أن تضع أمامنا الفشل المروع للأجيال السابقة في حين حاولت أن تخفي، في حرص لم يكن له داعٍ على الاطلاق، فشلًا، يفشل حتى في أن يصلح للمأساة، يخص جيلها، جيل الآباء؟

لا أرغب في إجابة قاطعة على أسئلة من هذا النوع، أود أن أتركها مُعلقة على منشر الحيرة هكذا، تسرق قدرًا من الشمس ويعبث الهواء بذيولها. نظريًا، كانت قائمة أمي للأفلام الممنوعة تقع عليها كما تقع علينا ومع الأخذ  بعين الاعتبار المساحة القليلة التي كانت متاحة لنا من حرية الحركة يصبح السؤال ضروريا عن القدر الذي كانت تلتزم به أمي، سيدة المنزل، بها. هل كانت بعد الليلة الأولى، في غفلة منّا وفي خطوات محسوبة من طرفها ولأسباب مُختلفة تمامًا، تفعل ما كان يفعله أولادها أم أنها للأسف لم تعاود الكرَّة؟ هذا ما أريد أن أحصل على إجابة عليه، في الحقيقة، هناك إجابة لا تعجبني تأكل المقرمشات على الكرسي المقابل؛ في وقت قريب، فاجأتني ضحكتها القوية، كنّا أنا وهي، كأصدقاء من الطفولة تركوا الخصومة ولعب الغميضة وراءهم، نُتابع تغيّر وجه عادل إمام قبل أن يلتفت إلى معاونيه ويخبرهم أن حلوان اتضربت. لقد كانت تضحك بشدة وكأنها عرفت، للمرة الأولى، أن حلوان، حلوان التي تضرب، بطبيعة الحال، كل ليلة، اتضربت.

*****

خاص بأوكسجين

معلومات الصورة
الصورة من أعمال النحات والرسام المصري آدم حنين (مواليد 1929) الذي فارق الحياة يوم الجمعة الموافق 22 آيار/مايو 2020