في سياقِ القيامة | سلمان الجربوع

العدد 163 | 11 كانون1 2014

 صباح 

استيقظتُ متأخرًا هذا اليوم

وكان الصباح غامقًا جدًّا

بدا كما لو أنّ ستارةً ضخمةّ تمتدّ خلف ستارةِ الغرفة

خرجتُ مستعجلًا لمقابلته

كان وجهُه مثلَ وجه قهوةٍ تركيّة

ورائحته رائحتها

سلّمتُ عليه فغمرني بالمطر...

قلتُ في نفسي:

يا للأسى! فأنا متأخّرٌ عن العمل

والصباحُ يموتُ سريعًا

وأنا وقعتُ في حبّ هذا الصباح الغامق بالذات

 

في الطريق

رأيتُ رجلًا عاريًا يضحك ويركضُ

ويختفي في الصباح

***

شريطة

كان الذي كان

سيكون الذي سيكون

وبينهما 

على شريطةِ ساتان سماويّةِ اللون

سقطتْ من شعر فتاةٍ في حُلُم البارحة

ورأيتها تطير أمامي في هواء هذا الصباح

تعلّق كوني

***

قميص 

- أيّ قميصٍ تلبسه في السكينة؟

- في السكينة لا أرتدي غير جلدي القديم

أتذْكرُهُ؟ 

لا أظنّك تعرفني فيه

فمازال منذ اتّسع خرْقُ الخريطة على الغائبين

معلَّقًا في الخزانة

حتى صار بلونِ المقبرة

لا السكينةُ زارت

ولا أنا اهتديتُ إلى بيتها

***

فنجان

غيمةٌ وحيدةٌ في قعر الفنجان

وكأنّها قطعةٌ من روحي

وحيدةٌ وداكنةٌ ومتقطّعة الأطراف

تقول العرّافة:

’آخر القهوة لا يكذب‘

ولكنّها على غير العادة

تُماطِلُ في التأويل

الغريبُ أنّ زوجتي

وهي التي تضحك دائمًا 

على هذه ’اللعبة الماسخة‘ كما تسمّيها

توقّفتْ فجأةً عن إكمال قهوتها

وغادرت المكان...

 

’هل كانت تخاف أن تنتهيَ إلى 

غيمةٍ وحيدةٍ في قعر الفنجان؟!‘

تُهمْهمُ العرّافة وهي تهزّ رأسها

وتهشّ النهار الذي دخل خِلْسةً

عن الطاولة

***

1:00 pm

تقول ابنتي:

إنّ امرأةً في المنام تشبه الجدّاتِ السمينات

أخبرتَها أنّ فرصةً جميلةً

تختبئ كلّ يوم في الساعة الواحدة ظهرًا

وتحبّ الآباءَ الذين يتحلّون بروح المغامرة

ولأنّني أصدّق أحلام ابنتي

ضاع العمر

وأنا أبحث عن خيّاط

يُفصّل روحًا مغامِرةً على مقاسي

كلّما ارتديتُ واحدةً كانت أكبرَ أو أصغر

وفاتتني مئات الفرص الجميلة

رغم أنّني الأب الوحيدُ تقريبًا

الذي يُفوّت فسحة الغداء

ليقف في كامل زينته

أمام الساعة الواحدة ظهرًا

***

مراجيح

كان الطفل يؤرجحُ والدَه في الحديقة

على وجهيهما نفسُ ملامح الشقاوة

نفس الضحكة اللامبالية

الضحك يعلو

والحديقة تغرق على مهلها في الضحك

حين التفتّ إليهما

كان الطفل الشقيّ يؤرجح الفراغ

ويضحك...

 

لقد طار الأب!

***

ظلّ

الظلال التي دون أدنى اعتبارٍ لأصحابها

كنتُ أبصق في وجهها قرفَ اليوم

أمشي على شكلها البشري الكئيب

فتسخر منها الغيوم

وأسخر منها

تطاردني كالكوابيس

حين أعود إلى البيت قبل الغروب

وتطردني أمُّها الشمس من رحمة النور

الظلال الكوابيسُ

تُرهِق روحي

أركض نحو الغروب فتركض

ألتفتُ فلا تلتفت

أتوقّف لألتقط أنفاسي

وأنسى أن الظلالَ لا تتنفّس

أسألها خائفًا:

أين ظلي؟

فيبتلعني الجواب

***

مساء

هذه المرّة كان المساء صارمًا

تكوّر في زاوية الوقت مثل حلزون

ورفض أن يودّع الشمس

أو أن يفرشَ بساط الليل للنجوم

قال: سأنام الآن

لقد مللتُ مراسم العزاء اليوميّة

وعلى القيامة أن تقوم...

 

شخيره المتصاعدُ أربك الكون

ولم تجرؤ الآلهة بعدُ على إيقاظه

***

سرير

في الناحية الأخرى من السرير

تنطوي ليلةٌ عاريةٌ على نفسها

وعلى مطرٍ وحيدٍ يمشي بخفّة طفل

وينقر نوافذ الغرباء الذين تشقّقت أرواحُهم من الجفاف

مددتُ يدي

لأمسحَ البرد والعتمة عن أطرافها

فتثاءبتْ في امتعاض

وعصفت الرياح بالمكان

كانت أطرافي ترتعش

وأنا أحاول أنْ أغطّي الليلة  الطويلةَ بلحافي

غطّيتها أخيرًا

وانطويتُ إلى جانبها ونمْت

لقد كان غيابًا لذيذًا وبعيدًا وغير متوقّع

وأنا أمعنتُ في الغياب

قال لي المطر الوحيد:

إنهم في الناحية الأخرى من السرير

ينفضون المدينة بحثًا عنك

قلت:

إنّهم لا يبحثون عني

إنهم على الأرجح يبحثون عن ليلةٍ عارية

ترافقهم إلى النوم

***

نهاية

تتكسّر علاقته بالأشياء وبالناس

في هدوءٍ رتيب

لولا صوت يأتينا من حينٍ لآخر

يشبه طقطقةَ ركبةٍ عند عتبة الشيخوخة

لظننّا أنّه قد مات

______________________________

شاعر من السعودية

 

الصورة من فيلم "الخروج للنهار" للمخرجة المصرية هالة لطفي. للتعرف على الفيلم  يمكنكم قراءة  ("الخروج للنهار"..بيت لا يسجن حياة ولا يطلق سراحها) ضمن مواد هذا العدد. 

*****

خاص بأوكسجين

شاعر من السعودية. صدر له: "محاولة حائط للتعبير عن قلقه"، دار طوى 2016