غاردينيا بين الأصابع | رباب هلال

العدد 217 | 11 آب 2017

   يسود الظلام، ظلام أشدّ من الظلمات التي يسبّبها انقطاع الكهرباء، في العادة. كأنّما يبدو لي أنّ الشمس كانت ساطعة، منذ قليل. وكأنّ حدقتيّ تتوسعان لاستيعاب هذه العتمة. أنتظر تشغيل بطاريات التجّار ومولّداتهم الكهربائية.

   في الطريق، يجتاحني شعور بالخفّة، رغم ثقل أصوات الحرب المتأججة.

   يختلط لديّ الوقت، الليل والنهار. أنظر إلى ساعتي للتأكّد، ليست في معصمي، أتذكّر أنّني نزعتها خشية أن تبتلّ بالماء. الماء! أشعر وكأنّما طرطشني منذ قليل، وبلّلني.

   الناس من حولي رائحون وغادون، لا أكترث بهم. إلاّ أنّ وجه امرأة يلفتني. تمشي باتجاهي. تكاد نظراتها تسكن عينيّ. تحاذيني، تعبرني، وتمضي تاركة ظلّها في عينيّ. يشغلني وجهها، كم تشبه لمى. أتذكّر لمى من دون دمعة في الحلق ورجّة في القلب. كأنّ الإحساس بالموت يذبل بالتقادم اطراداً مع تضخّمه واستمراره. أو أنّ تقادمه وثباته يحوّلان الإحساس به إلى اعتياد. هكذا تبدو الحال، انحشرت عادة الموت واسترخت ضمن عاداتنا المزمنة. لمى المعلّمة قُتلت في أحد التفجيرات قرب مدرستها، وقُتل عديد من التلاميذ الصغار، وآخرون ممّن جرّهم قدرهم إلى ذلك المكان لحظة التفجير. القدر الرجيم. أخمّن مغزى تحديقها بي، تلك المرأة العابرة شبيهة لمى.

   لعبة التشابيه ولع قديم بي، لا أعرف تفسيراً له، ما أعرفه أنني كنت ولا أزال أستمتع كثيراً حين أكتشف أشخاصاً يتشابهون بشدّة، رغم اختلاف انتماءاتهم الضيقة والواسعة، قربها أو بعدها. 

   نسمة تهزّ عتمة هذا الليل، فتهزّني رائحة الغاردينيا، رائحتها تسفح جمالاً أبيض في الروح. ألتفت في الاتجاهات لأتبيّن مكان الشجيرة. ظلال عتميّة حطّت في الأمكنة.

     على بعد خطوات منّي، رجل شارد، نظراته ثابتة، كالمتسرنم. أو يبدو دمية متحرّكة يشدها خيط لامرئي، ويسيّرها إلى الأمام. يدنو منّي. بغتة، يلتفت إليّ.  أجفل. شبح ابتسامة يرتسم على شفتيه. وجهه يذكّرني بجهاد، صديقي الصحفي. كم يشبهه هذا الرجل ذو الابتسامة الشبحيّة، فضول غريب يشدّني للالتفات إليه. أراه يمضي في طريقه من دون أيّ التفاتة. لماذا ابتسم لي إذن؟ قد يكون هو الآخر شبّهني بإحداهنّ. أحببت ابتسامته. تستوقفني بشدّة ملابسه الرماديّة اللون، لون قميصه أغمق من لون بنطاله. مصادفة عجيبة!

   نسمة عجولة تومض معها رائحة الغاردينيا ثانية. جهاد يحبّ الغاردينيا، في مكتبه في الصحيفة أصيص يترعرع بين اخضراره بياض فاره، ورائحة مجلجلة الغواية. قال لي مرّة: "الغاردينيا تشبّعني بقوّة الحبّ وبالشغف." وكأنّ أصابتني العدوى، فصرت أرى في كلّ زهرة غاردينيا تتفتح على شرفتي آفاقاً للحبّ والشغف، في هذا النفق المسدود، الذي أقعدتنا الحرب فيه.

   لا أذكر أنّني رأيت جهاداً بملابس مثل تلك التي رأيتها في ذلك الحلم البعيد، كان ذلك منذ عامين ونصف تقريباً. في المنام، رأيته يجلس متربّعاً ومحاطاً برجال عدّة. كان يتحدّث بهدوء، وهم ينصتون باهتمام. بدا أشدّ نحولاً. اجتزّوا لحيته الشهيرة، الصغيرة الجميلة. كان يرتدي ثياباً رماديّة اللون، لون قميصه أغمق من لون البنطال.

   بعد تلك الليلة، بت أستجدي الحلم بإلحاح كي يُحضر جهاداً مرّة أخرى. أحقن انتظاري بالأمل. في الحرب، يصبح الانتظار جمراً أرحم من أيّة حقيقة مفجعة. لكنّ الحلم لم يسعفني ثانية، فرافقني نوع من التشوّش المرعب لم يفارقني إلى أن جاء الخبر، منذ أشهر. تمّت تصفية جهاد في المعتقل، منذ عامين وأكثر.

   لو أستطيع إفراغ ذاكرتي من صور من رحلوا، وعينيّ من ظلالهم أيضاً. لماذا لا ترحل الظلال مع أصحابها، أو تموت معهم. سنوات مرّت وغيابهم لا يني يزلزل توازني. بعضهم غيّبه القصف والقذائف العشوائيّة، وبعضهم الآخر غيبته القضبان، أو المنافي.

   جشع الحرب الضخم وأوساخها الهائلة، يجعلُ، أحياناً، خيار بقائي في البلاد فارغاً من أيّ معنى. خيار أشبه بسحابة صغيرة سكبت بعض مطر فوق صحراء شاسعة، ثمّ تلاشت. بددٌ.. بددٌ مددٌ.

   يجتاحني شعورٌ غريب مفاجيء، شعور طارئ ذلك الذي معه تمّحي أحاسيس بالغة الثقل خلقتها الحرب. أراني أتناقض. أشعر بالبرد، رغم أن الصيف بدأ يقضم أواخر الربيع.

   أمضي في طريقي، ابتسامات أصدقائي وصديقاتي الدامعة تطوف حولي، تهلّ عليّ من أصقاع العالم. ساعة توضيب حقائب تَبعثُرِهم، انزلقت دموعهم تلك إلى شفاههم ابتسامات حبّ وتشجيع لي، وأسىً مخيف أيضاً. ومن يومها، لم يتوقف الفقد والخراب عن حرث حقول شوك وحنظل في صدري. أراها تلك الابتسامات ظلالاً. تدنو منّي. تبتعد. تختفي. تعود. تقترب. تبتعد. تبتعد أكثر. تدنو. تختفي. تختفي... أنتظر رجوعها.

    ألست أناقض ذاتي فعلاً في زعمي أنني اليوم أتخفّف من الغصّات والحرقات على من فرغت حياتي منهم؟ أم أنّ ذاتي العاجزة الضجرة والمنهكة تولّد من لعبة التشابيه القديمة الممتعة حيلة عبرها أستبدل بوجوه من رحلوا، وجوه من لا يزالون هنا على قيد البقاء، ألعب لأتحايل على الفقد يتآكلني، وأتخابث مع الوحدة تلوكني وتبصقني بعنف وازدراء؟ الحرب تُعجز التفسير أيضاً وتربك الفهم.

   ألمٌ. أشعر بألم يزحف فيّ. تبدو لي أضواء المولّدات شحيحة، بينما يتواصل فجور الحرب وعربدتها. الألم يتعاظم، يقتل إحساسي بالخفّة. صبراً. صبراً. أثقال تنيخني. ألم. ألم. ألم. تنوس الأنوار وتنطفئ، نور في إثر آخر. أسارع الخطو. أهرول. أنفاسي تتسارع في التلاشي. تشتدّ العتمة. أركض. أطير. ألهث. أتوجّع. أصل إلى المبنى حيث أسكن. يتوه مدخله منّي.

   بغتة، يسطع نور الشمس. أراني. لا أرى سوى قطعة ظهرت منّي. يدي اليمنى. بين أصابعها انغرست زهرة غاردينيا مثل خاتم. بتلاتها البيضاء ما تزال تتمسك بقطرات ماء. كنت أسقي شجيرتها وأغسلها. أين رائحتها؟ الألم ينوس. ينوس. يجمد الهواء، يختفي، مثلما يختفي باقي جسدي وشجيرة الغاردينيا وشرفتي تحت أنقاض المبنى وغبار ركامه المتطاير.

 *****

خاص بأوكسجين

معلومات الصورة
الصورة من فيلم "دنكرك" للمخرج كريستوفر نولان