عناد سماوي | مروان عثمان

العدد 260 | 4 تشرين1 2020

في البدء خلته فألًا سيئًا، لكني لم أتخيل أن يصل بي الأمر لهذا الحد.

 ولم أكن لأضع الأمر في بالي لولا تكرار الحوادث التي تؤكده وتقحمه في حياتي عنوة.

 لم يتوقف الأمر عندما لم أجد البلوزة الزرقاء التي أدخرت ثمنها من مصروفي اليومي لا تزال موجودة في محل الملابس رغم تفقدي لها بعينيّ يوميًا، وإنما عجزي عن تفسير تغيب زميلي خالد-الذي اعتاد الجلوس على الدكة اليسرى من ناحيتي في الصف- ولم يكن التغيب من عاداته على الإطلاق!

 حينذاك رددت تلقائيًا ما قرأته صباحًا قبل خروجي من المنزل في خانة حظ برج الثور بالجريدة اليومية "ستزول فرص كنت تحسبها سهلة المنال"..

 تلاعبت تلك الأجرام السماوية برأسي كما تلاعبت بقدري وعاندتني لأني لم أصدقها، قضيت أيامي التالية في السؤال عن تلك الأبراج الغريبة، وبدأت بأبي الذي قال "إنها محض تخاريف لا فائدة منها"، فأعجبني رأيه الذي اتخذ صفي في الحرب مع تلك الأجرام السماوية التي تظن نفسها مسئولة عن التحكم في مصائر البشر لمجرد اتفاق تواريخ مواليدهم مع تلك الحيوانات والأجسام الغريبة.

 وسألت أمي أيضًا فقالت "لا أصدقها، لكنها مسلية"، فقلت في نفسي "قد تكون مسلية، لكن لا يفترض بها أن تتسلى بي أنا"، وفي اليوم التالي في المدرسة دخلت الصف متأخرة بعض الشيء على غير عادتي، فوجدت خالد يقتعد دكته عن يساري في وسامته المعهودة.

 لم أستطع إخفاء ابتسامتي التي أظنها وصلت إليه فاضطر لردها بابتسامة عذبة دون كلام.

 عدت للمنزل وأنا أقول لنفسي "ها هي الأبراج محض تخاريف كما قال أبي"، وفي المساء بحثت عبر الانترنت عن هذا الموضوع الذي شغلني منذ أيام عدة، لكن بحثي كان على سبيل التسلية لا التصديق، وكانت المفاجأة أني وجدت برجي برج الثور لا يتوافق وبرج القوس الذي عرفت أن خالد ينتمي إليه من تاريخ ميلاده المدون على حساب فيسبوك الخاص به.

 بالتأكيد لن أكترث للأمر، وسأضرب بكلا الثور والقوس عرض الحائط!

 في اليوم التالي، دخلت الصف وذهبت عيني تلقائيًا إلى الجهة اليسرى فوجدت خالد في مقعده المعتاد، تفاءلت وتأكدت بأن كل ما كُتب حول صراعات القوس والثور تلك لا ينطلي علينا ولا يلزمنا بشيء.

 لكنه في اليوم نفسه وهو يلعب كرة القدم مع بقية زملاء الصف، سقط على وجهه وأصيب إصابة بالغة بعدة كدمات في الوجه، قلقت عليه كثيرًا وتابعته بنظراتي حتى حضرت والدته للمدرسة لتأخذه، وكان الأمر لينتهي عند هذا الحد لولا فضولي الذي دفعني للنظر في خانة حظك اليوم بجريدة أستاذ الصف، فوجدت فيها حظ القوس "قد تتعرض لمصائب، لكنها ستنقذك من مصائب أخرى"، فعاد القلق إلىّ غير مرحب به مرة أخرى!

 عدت للبحث عبر الانترنت مجددًا ليس بدافع الفضول هذه المرة، ولا بدافع القلق!

 حقًا لست أدري بأي دافع، فاعتبرته بدافع دراسة العدو!

 وعرفت أن من ضمن صفات مواليد برج الثور، العناد المبالغ به، فقلقت على نفسي لأني أدركت أني أعاند من أعطاني صفة العناد وأحاول التمرد عليه!

 صادفني بعدها منشور لسارة صديقتي وزميلتي في الصف كتبت فيه "إلى الأبد وحتى تحترق النجوم!"، فتنهدت وقلت بصوت مسموع "ليتها تحترق النجوم!".

 في اليوم التالي لم يحضر خالد للمدرسة، فهمت ماهية الأمر، لكنني لا أستسلم بهذه السهولة!

 انتظرت انتهاء اليوم الدراسي بفارغ الصبر، ودلفت في طريق عودتي لمحل يبيع الإكسسوارات كالسلاسل والمشغولات اليدوية، تأنيت في النظر للمعروضات، حتى وجدت ضالتي في سلسلة فضية لها قلادة على شكل وجه فيل اشتريته وأسميته "يامبو"، وطلبت منه مساعدتي في حفظ سري الصغير فيما يتعلق بإعجابي بخالد، ومساعدتي باستخدام نابيه العاجيين وقواه الخارقة في هزيمة الثور العنيد الذي يتربص بي.

 في المساء وأثناء تقليب أمي لمحطات التلفاز وقع اختيارها على فيلم هندي، وبالصدفة تعرفت على قريب آخر لـ"يامبو" يدعى "جانيش"، طلب منه بطل الفيلم الوسيم مساعدته أيضًا، لكنه يختلف عن يامبو حيث لديه جسم كأجسام البشر بقدمين وأربعة أيادي، فاطمأن قلبي بقدرات فيلي يامبو وعائلته الخارقة على نسف تلك النجوم إذا أرادوا ذلك.

 وفي الصف، استجمعت شجاعتي وتوجهت نحو خالد للحديث معه للمرة الأولى وتبادل ولو كلمة واحدة معه على سبيل الاطمئنان على صحته، كبحني الخجل عندما وقفت قبالته، وبابتسامة حسبتها بلهاء نطقت بعدها بوقت ظننته طال فكاد يبلغ جرس الحصة التالية "سلامتك".

 بادلني بأجلّ ابتسامة رأيتها في حياتي وقال بصوت عذب "شكرًا"، ثم قال مشيرًا بإصبعه نحو يامبو "بالمناسبة، قلادة جميلة".

 

11-9-2020

 *****

خاص بأوكسجين

قاص ورائي من مصر. صدر له رواية بعنوان "حكاية سقطت من الزمن" (2017).

معلومات الصورة
الصورة من فيلم تشارلي كوفمان "أفكر في إنهاء الأمور".