عجلةُ الزَّمن المطَّاطية | خالد بن صالح

العدد 248 | 4 تشرين1 2019

السَّطر

هنالك سطرٌ واحدٌ يحملُ القصيدةَ، لو كنتُ شاعراً لاحتفظتُ به، مثلما تحتفظُ أمٌّ بعقدٍ من الذَّهب، لابنتِها التي أحسَّت منذ قليل بألمٍ خفيف بين فخذيْها النَّحيليْن. لخبَّأتُه كما يُخبّئُ مدمنٌ سابقٌ زجاجةَ الويسكي، في سلَّةِ المهملات أو بينَ كومةٍ من الكتبِ ومجلاّت الموضة. لهمستُ به، مرَّةً واحدةً فحسب، لصديقتي المنشغلة عنِّي بوضع مكياجها الصباحي. لجعلتهُ غيرَ مرئيٍّ، كدخَّان سيجارةٍ ترتعشُ بين شفتيْ مريضٍ على حافَّة الموت. لبعثرتُ حروفَهُ على كتفِ امرأةٍ جاءت لتودِّعني في ليلةٍ ماطرة. ذلك السَّطرُ الذي ينمو كزهرةٍ صغيرةٍ في إحدى ساحات روما، يدوسُها سائحٌ أمريكي وهو مُنشغلٌ بالتهامِ البيتزا. تلكَ الجُملة التي ينساها الإمامُ على المنبر، فيختلُّ معنى الآية القرآنية. بضعُ كلماتٍ، قد تنقذ حياةَ الجُندي المحكومِ عليه بالإعدام.

 

شؤونٌ يوميّة

أواصلُ المشيَ في المنام

تُطاردني سيَّاراتُ الأجرة الصفراء، اللاَّفتاتُ التي تُسبِّحُ آناء اللَّيل وأطراف النهار، الزُّجاج المُتَّسِخ، ماسحات المطرِ المُعطَّلة، أغاني الرَّاي التي لا تصِلُني كلماتُها، الأحاديثُ الجانبية، والتي تخرج عن السياق وتلك المبتذلة والمتداولة بحكمِ الضَّجر.

أمشي لفرطِ خوفي، دائماً، بأن لا أصِل

أمشي وأمواتٌ يسافرونَ معي كلَّ يوم ... تسلخُ جلودَهُم عجلةُ الزَّمن المطَّاطية.

*

تتحدَّثينَ عن حِميةٍ مؤجَّلة، عن شيطانٍ جائع يتلوَّى بداخلك، عن جسمٍ خالٍ من الكوليسترول يتحرَّك بخِفَّة لاعبةِ جُمباز في مساحةِ مترين مُربَّع: امبراطوريتُكِ الصغيرة، ولمستُكِ الخفيفة في ترتيب الأشياء. تُفكِّرين في إضافةِ رفٍّ خشبيٍّ للكتب. رفٍّ واحدٍ وحسب، تضعينَ عليه روايةَ "بوح الرَّجل القادم من الظَّلام"، ديوانَ شعرٍ ليس لي، وكتابَ ألف ليلةٍ وليلة، جنباً إلى جنب مع تمثالِ شمعٍ لرأس "تشي غيفارا" بألوانٍ زاهية.

أراقبُ شفتيكِ من مكاني حيثُ أجلس وخلفي مكتبة هائلة، أقرأ فيها كلَّ يوم، مثل جاسوس يخاف أن تنهار ذاكرته كجبل جليدي. لذا يلتقط كلماتك ويُسمِّمها بالتَّبغ، والقهوة، والوجبات السَّريعة التي يأكلها بذاكرة مُشوَّهة، وهذا ما أفعلُه حين أكتب، متناسياً كلَّ ما قرأت.

*

تقولُ لي، أكثر مِن أكلِ الجرجير، من فوائدِه أنَّهُ يُنظِّف الرِّئتين، مثل عُمَّال يرتدون زيّاً أخضرَ، يهجمُون بمكانسِهم الطويلة على مدخنةِ مصنع قديم. وفي دراسةٍ أُجريت على الفئران، وُجِدَ أنَّ لزيتِ بذور الجرجير دوراً وقائياً للأضرار النَّاجمة عن التَّدخين على الخِصيتين، والـتأثيرات السلبية للنِّيكوتين على تكوين الحيوانات المنويَّة، وعددِها، وقُدرتها على الإخصاب. تماماً كما يُحفِّز مدرِّبُ كرة قَدَمٍ خسِرَ كلَّ شيء لاعبيهِ ليعودوا في المباراة.

قالت هذا وغادرت. كانت تعرفُ أنَّ فارق الزَّمن بيننا كفيلٌ بأن يجعلنا نعبدُ إلهيْن مختلفيْن.

المرأةُ بالرُّوب النَّمري، والعينيْن اللَّتين ينامُ تحتَهُما مُشرَّدو المدينة، تقرأ لي حظَّ أيامٍ تتساقطُ من الأجندة كأسنانِ شيخٍ عجوز. هي تعرف أيضاً أنَّني أجلسُ في العتمة، أُحصي الخسارات، وأعدُّ صغاري كراعٍ أعمى، كلَّ مساء، مكتفياً بصوتٍ يهمسُ باسمي من بعيد.

_____________________________

القصائد من مجموعة شعرية بعنوان "يوميات رجل إفريقي يرتدي  قميصاً مزهراً ويدخن LM في زمن الثورة" صدرت أخيراً عن "منشورات المتوسط" في ميلانو.

*****

خاص بأوكسجين 

 

شاعر من الجزائر صدر له "سعال ملائكة متعبين" 2010، "مائة وعشرون متراً عن البيت" 2012، و"الرقص بأطراف مستعارة" 2016.

معلومات الصورة
الصورة من أعمال الفنان الكندي فيليب غوستون (1913 - 1980)

مقالات أخرى للكاتب