عاشق الرّمز | محمد فطومي

العدد 241 | 3 شباط 2019

 قبل أن يتفرّغ السيّد «كمال» للسّباقات، جرّب الانتقال بين مهن كثيرة، إلّا أنّها كانت جميعها باستثناء مهنة التأخّر واقعيّة للغاية. كان السيّد «كمال» يقول دائماً إنّ على المهنة أن يكون لها وظيفةَ المَثَل. وإنّ على الواقع أخيرا أن يفهم بأنّه لم يوجد إلّا ليرمز إلى ما يحدث في الحياة من حولنا.

 كان ذلك قبل أن يكتشف إدمانَه للسّحر الكامن في الرّمز الخالص. في تلك الفترة كان غير مدرك تماما لما يعتمل في داخله وعزا قلقه الدّائم إلى آلام في رقبته. فكّر قائلا في نفسِه إنّ على المرء إذا أراد العيش في سلام أن يختار بين المأساة وبين التّعبير عنها. واعتقد آنذاك أنّ العمل وحده قادر على إنقاذه من أرقه المتواصل، خصوصا لمّا أخاف نفسه ذات ليلة وهو يذرع غرفته جيئة وذهابا. كانت تلك الحادثة فارقة في حياته. بدءًا عمِلَ حاجبا في محكمة، ولمّا لاح له أنّها مهنة مملّة تفتقر إلى الإثارة وتحريك فضول الآخرين هجرها ليلتحق بمصنع للأدوية، هناك تمّ قبوله في خطّة متأمّل، لكن ولأنّها مهنة تقع في مخيّلة المرء فقد بدت له خالية من التّشويق الذي يمنحه التّأويل. إنّ نفسه المُتشكّكة، المتمرّدة، التي لا ترضى أن تعني ما تقوله، ترفض السّقوط في التحليل المسطّح لما يجري. «على الشّبه أن يسيطر»، كان يقول لنفسه كلّ مساء أمام المرآة. ثمّ عُيّنَ مُعلّقا في صندوق للتّقاعد، كان عليه أن يبدي رأيه من حين إلى آخر فيما يحدث داخل الدّائرة وخارجها، غير أنّه سرعان ما انتبه إلى أنّها مهنة رتيبة تضطرّ صاحبها إلى الثّرثرة. بعد ذلك شغل خطّة مُقلّد أصوات في كلّية الحقوق. غادرها عقب شجار دار بينه وبين مشّاء الكلّية. رحل لأنّ أسباب الخصومة كان من السّهل على الجميع فهمها. إثر ذلك انتُدِب ليشغل خطّة رجل في المصرف العامّ. هناك كُلِّف بالعناية بميّت تمّ تعيينُه حديثا. شرحوا له طويلا – فوق نقمته الشّديدة على الشّرح- أنّ عليه إطراء الميّت من وقت إلى آخر، تعطيره، أخذه في نزهة يوميّة في أنحاء المدينة لتسليته، إلّا أنّه انقطع بعد أوّل راتب تسلّمه، فقد كان رياضيّا محبّا للحركة بالفطرة. وكاد يستسلم فعلا لحياة البطالة لو لا أنّهم عرضوا عليه العمل مُدخّنا في البلديّة. كانت المنحة مُغرية لما تسبّبه الوظيفة من متاعب على الصحّة. وافق مُكرها ليسدّد ديونه، إنّما في الحقيقة لم يكن سبب استقالته متعلّقا بالحفاظ على الصحّة بقدر ما أنّ الوظيفة كانت من النّوع الذي لا يضفي على يومه أبعادا خفيّة.

وفي يوم وهو يحاول الّلحاق بالأوتوبيس أحسّ بوخزة لذيذة في قلبه واكتشف أنّه خُلِق كي يُسابق الأشياء. وهكذا أصبح السيّد «كمال» يسابق العربات وكلّ ما يبدو في نظره متعجّلا. كانت الّلوحات التي يؤدّيها ملهمة وجميلة حتّى أنّ كثيرين حذوا حذوه وصاروا هم أيضا يسابقون الأشياء وبعضهم البعض غير مكترثين بما يتوجّب عليهم فعله. بعد فترة أحسّ السيّد «كمال» بالسّأم لأنّ السّباق فقد نكهته السريالية القديمة. ولمّا لم يعد التسوّل أمرا محرجا لانغماس النّاس في منافسة العربات والأشياء المسرعة، صار يقف حيث تكثر الحركة محاولا مباغتة المتخلّفين عن السّباق. لم تبدُ له فكرة التسوّل بغيضة بفضل جانبها الرّمزيّ المتّقد والمُتجدّد، لكن في غياب من يخيب ظنّه لدى رؤيته، أخذ جسمه ينحل وحماسه يفتر بسرعة توحي بأمر ما. أمرا جديرا بالاهتمام، لا يساوي شيئا أمام فطيرة صباحيّة ساخنة.

*****

خاص بأوكسجين

كاتب وقاص من تونس. من اصداراته "زبد رخام" 2013،و"جلّ ما تحتاجه زهرة قمرية" 2017

معلومات الصورة
الصورة من أعمال فرانك بولينغ في معرض "فرانك بولينغ: خريطة العالم" الذي أقامته "مؤسسة الشارقة للفنون" من 29 سبتمبر 2018 ولغاية 12 يناير 2019

مقالات أخرى للكاتب