عائلة تأكل وعودها للأطفال | هيثم عبد الشافي

العدد 231 | 20 أيار 2018

آخر تسجيل كان الشريط ساعة ونصف تقريبا، واخفاه جدي تحت وسادته العالية أسبوعين قبل أن يصلح "محمد الديك" عطلاً يتكرر كثيراً في باب الكاسيت.

60 يوما أجهز لهذه الليلة.. الآن قولوا كل الكلام، وسلموا عليه كثيرا، اقتربوا أكثر من السماعات الكبيرة والصقوا شفاهكم بها، وقبلوه، وبعدها اضحكوا طويلا، اخبروه كيف سحركم مصطفى محمود بحلقة طويلة ومملة عن الحشرات فى "العلم والإيمان"، واحكوا له تفاصيل موت البطل فى الحلقة الأخيرة من مسلسل السابعة، وأبكوا طويلا، وسلموا، وسلموا مرة أخرى، وهاتوا دفترا كبيرا وسجلوا أموات البلد فى آخر شهرين، قبل أن يسقط واحدا دون قصد، ولا تنسوا قصة بيت "الطوخي" وكيف ثأروا من "عزيز هنداوي" بعد 25 عاما، لكن لن أنام مجددا، هذه العائلة تأكل وعودها للأطفال الهادئين مثلي.

فى الشريط الماضي، كل أطفال العائلة مروا أمام الكاسيت وسلموا وضحكوا، وكرروا فعلتهم مرتين أو ثلاثة في سخافة غريبة، أنا فقط سمعت كلام أمي وجلست أمامها وصدقت أن آخر 10 دقائق في الشريط لي وحدي، ونسيت التسجيل وحكاياتهم عن الجيران وأموات البلد وليلة ضرب النار، وقلت أحكي لك أولا عن بنت مدرسة الرسم، وماذا تفعل بي رائحة ملابسها، وجمال حدائق الورد التي ترسمها أمها على فساتينها القصيرة، لكن خفت أن تغضبك هذه الحكاية، وأجلتها لآخر دقيقتين، وبدأت أردد سورة "البلد" لأتلوها عليك قبل أي كلام،  لكني نمت وفي يدي ربع جنيه مزقته ألف قطعة في طابور المدرسة، ولعنت النوم والأدب وهدوء الأطفال، وحلفت بكرهي لأستاذ الحساب، وخوفي من صوت "محمد العبيط" آخر الليل وهو يأكل الورق تحت شباكنا، وحبي لفساتين بنت مدرسة الرسم ألا أنام ليلة التسجيل مرة ثانية.

فى كشف الهدايا، يُسقط عمي من حساباته الذين لا يعرفهم، وأنا منهم، لا يعرف صوتي، ملامحي، طولي، مقاس حذائي... من سيهتم مثلا ويحكي له كم مرة ذهبت للترزي بحقيبة المدرسة، هل سيخبره أحدهم أنني أرتدي نظارة طبية منذ شهرين، وكيف كان إحساسي وأنا أرى حروف اللافتات بارزة وجميلة فى أول مرة أضعها على عيني، من فيهم يعرف كم أحب بغداد ومطارها، وكم مرة سألت مدرس التاريخ عنها وخيب ظني بخرائط وحدود أنا لا أفهمها أصلا. الفاشل سألته عن سعدون جابر، لم يرد، قلت له احكِ لي عن شوارعها والناس هناك، سكت، ولما سألته لماذا أجد الدنيا كلها باللون الأخضر وأنا أردد حروف بغداد، ضحك، وقال لى أذهب لمدرسة الرسم؟!

*****

خاص بأوكسجين

 

 

قاص وصحافي من مصر.

معلومات الصورة
الصورة من مجموعة أدهم عبدالله الفوتوغرافية

مقالات أخرى للكاتب

24 تشرين2 2018
1 نيسان 2018