صلاة البعيد | محمد فطومي

العدد 252 | 7 آذار 2020

   صرتُ أُدركُ أنّ الوسامة لحية سوداء خفيفة وحِذاء أنيق. أعرف ماذا يعني أن ينزف المرءُ أيّامَه لأنّه جامحٌ وأحمق، وأعرفُ أسراراً كثيرة أخرى. أتكلّمُ لغة الأجساد الحارقة. صرتُ أُحسِنُ استخدام يديْن لا ترتعشان كي أغزِل ما أشاء من رقّة النّساء. أعرف ماذا يحدثُ إن أغلقتُ باب حديقة.أحتَمِلُ التوقّف عن شرب النّبيذ حالما يبدو لي أنّ بيني وبين الرُّواء قطرة. أملكُ حاسّة أسمَعُ بها الله في كلّ فكرة وأعرفُ الطّريق. أعرف كيف لا أتحسّرَ. تأكّدتُ من أنّ الصّيف يبدأ في شهر أفريل وأفهمُ أنّ للتّخلّف عن مواعيد الطّبيعة عواقب لا تُخلف مواعيدها. أعرف كيف أستبقي الجميلة المُكتنزة ذات الماسَتَيْن والابتسامة التي أضاء لها العالم من حولي ذات مرّة، فلا أتركها ترحلُ يائسة مخذولة، وأعرف أيضا أنّها لا تتكرّر. أعلمُ أنّ الجُرأة الخجولة في شفتيْها تقتل بقيّة الأيّام لو أُهدِرت. أعرف كيف ينبغي أن أحبّها وكيف أجعلها تشتاق لرؤيتي وأنا بقربها يداً في اليد. أعرف كيف أنّ الحظّ يُشحذُ كالسكّين وأعرف كيف أجعلُ رسالة تصلني منها وكيف أصنعُ جناحَيْن من رسالة. أروّضُ التيّار وأعرف كيف أحوّل الحرّية إلى لحنٍ عذب طويل. أعرف ماذا يُقال عند بزوغ امرأة وماذا يُقال عند غروب امرأة. أملكُ المكابح التي تجعلُ المرءَ يصلُ حيثُ يريد دون أن يبرح مكانه. أعرف كيف لا يتأخّرُ الوقت وماذا يُقال عندما أغرق في وميض سحريّ. اكتشفتُ بأنّي أكرهُ الخسارة، وصرتُ أعرفُ بأنّ أفدح الخسارات هو أن تخون سنة شابّة مع سنة عجوز. وأعرفُ كيف أصنعُ ذكرياتٍ لا تخون. أصبحَ في إمكاني الصّبر على الأشياء المُبكّرة.صرتُ لا أتحمَّلُ رؤية رجُلٍ جديد، البحرُ أمامه جديد،ولا يفتكُّ كلَّ سفينة غصبا. صرتُ في الثّالثة والأربعين. وصار في إمكاني أن أكون في الثّانية والعشرين.

***

مادّة للكتابة

 

طلب ابني أن أضع اللّباس الواقي والخوذة وأن أقف دون حراك ريثما يُسدّد لي لكمات وركلات في كلّ مكان من جسدي، كي لا ينسى ما تعلّمه في التدريب. رفضتُ بالقطع في البداية، لكن عندما ذكّرني بأنّه لم يطلب منّي إطعام الكلاب، قائلا: «كنتَ تقوم بأشياء مُقزّزة حتّى وقتٍ قريب. اشكُر ربّكَ لأنّي سمحتُ لك ببيع الكلاب!». ارتديتُ الزيّ الواقي معاتبا نفسي قليلا لأنّي جاحد صغير. أوحت لي الحادثة بإحصاء المرّات التي أسمَعُ فيها عبارة «اشكُر ربّك!». ولأنّي لم أعد أجد ما أصنعه خارج أوقات عملي منذ انزاح عنّي كابوس سلق أحشاء الدّجاج ومؤخّراتها كلّ يوم لإطعام كلاب ابني، فقد خطر لي أن أجعل من تلك العبارة مادّة كتابة، خصوصا أنّي صرتُ بعد ركود طويل أشعر بنعاسٍ لا يُقاوَمُ فور إمساكي بالقلم، أعرفُ أنّه سيتحوّلُ يوما ما إلى موتٍ لو لم أعد أعثر على شيء أفسّرُه بصمتٍ. أذكرُ بشكل غائم أنّي كنتُ، فيما مضى، أكتب عن هواء فيفري الخفيف وعن حرارة أيّامه الخجولة وعن خليجٍ وهميٍّ وعن ابتسامة فتاة سمراء لوزيّة العيْنَيْن وعن سماءٍ رماديّة وطيّبة يعبُرها بجعٌ مهاجر. ثمّ فجأة، تلاشت طفولتي حاملة معها مذاق الأشياء البسيطة.

جنيتُ، على امتداد أيّام، نتائج مُذهلة فاقت ما توقّعتُه بكثير، إضافة إلى أنّي اكتشفتُ في نفسي قدرة عجيبة على الحفظ. مع شعور مُزعجٍ، ما لبثَ يُساوِرني من حين إلى آخر، بأنّي قصير جدّا، ورُويدا رحتُ أطوّر ذاكرتي بإخضاعها إلى تحدّيات مُرهقة حقّا، إذ لم أعد أكتفي باستحضار الخطوط العريضة لما أتلقّاهُ من دروس من النّاسِ، بل كنتُ بدل ذلك أعتصرها كي تُسعفني بما دار بيني وبين الآخرين من حوار مُتعلّقٍ بشُكر الربّ. ثمّ طلبتُ من ذاكرتي أن تمدّني بالشّهر واليوم والسّاعة والأماكن والسّحنة حتّى أصغر التّفاصيل.

«اشكُر ربّك لأنّك تعمَلُ!»، قال مُدير المُدراء في دائرتنا، عندما عبّرتُ له عن شغفي الكبير بتخصّصي وكرهي الشّديد لما يُعهَدُ به إليَّ من وظيفة.

«اشكُر ربّك على الصحّة!»، قال لي صديقي الوحيد، عندما عبّرتُ له، همسا، عن حرماني من الحُبّ.

«اشكُر ربّك لأنّ أحدا غيري لم يسمعك!»، قال أبي عندما عبّرتُ، عن رغبتي الشّديدة في أن أهرب بعيدا وأن أحطّم الجسور خلفي.

«اشكُر ربّك لأنّ لديك جانبا في فمك يمكنه مغض الطّعام!»، قال طبيبُ الأسنان بعد أن أفسدَ فمي.

«اشكُر ربّك لأنّك تملكُ بيتا يؤويك!»، قال سائق تاكسي عبّرتُ له عن خوفٍ لا أفهمُ دواعيه، وعن إحساس غريب بالخسارة الفادحة.

«اشكُر ربّك لأنّهم لم يسرقوا السيّارة بكاملها!»، قيل لي في قسم البوليس عندما عبّرتُ عن نيّتي في التقدّم بشكوى ضدّ أشخاصٍ سرقوا محفظة أوراقي من داخل سيّارتي.

«اشكُر ربّك لأنّنا لم نطردكَ من الحيّ!» قال رئيس لجنة الحيّ، لأنّي عبّرتُ خلاف كلّ الجيران عن مساندتي لمشروع حديقة في الحيّ. 

«اشكُرْ ربّكَ لأنّكم تشترون الخُبزَ من المتاجِرِ ولا تتلقّفونه يابسا من أيدي الحثالة!»، قال لي صديق عراقيّ، عندما أخبرتُه بأنّي ضقتُ ذرعا بمخالب السيّاسيّين التي تُمزّق تلفزيوني الجميل.

«اشكُر ربّك لأنّي أعيد إليك شيئا من الدَّيْن!»، قال أخي بعد سنتَيْن من لقائنا الذي اقترَض منّي خلاله ثلاثة أضعاف راتبي، كان وعدُه لي: «ستصلني أموالٌ آخر الأسبوع.»

«اشكُر ربّك لأنّنا لم نقصَّ لسانك!»، قال تقنيٌّ يفوق وزنُه ثلاثة أضعاف وزني على الأقلّ، عندما عبّرتُ عن احتجاجي كونهم قطعوا أسلاك الكهرباء عن بيتي دون سابقِ إنذار.

«اشكُر ربّكَ لأنّكَ حيّ!»، قلتُ لنفسي بالأمسِ، عندما انتبهتُ إلى أنّي لم أعُد أحتاجُ إلى شيء. فقد صرتُ أتعلّمُ بسُرعة. وما عدتُ أفتحُ فمي إلاّ لكي آكُلَ أو أكذب. تلوح لي قصّة صديقي الذي قال إنّه باع راديو جدّه العتيق ليشتري بثمنه طاولة تُظهِرُ سحرَه. لم أعد أجد اليوم ما أرويه عندما أختلي بنفسي. لم تعد تراوِدُني الأحلامٌ التي تجعلُ النّاسَ يطلبون منّي أن أشكر ربّي.

*****

خاص بأوكسجين

كاتب وقاص من تونس. من اصداراته "زبد رخام" 2013،و"جلّ ما تحتاجه زهرة قمرية" 2017

معلومات الصورة
الصورة بكاميرا الكاتب والصحافي والمترجم أحمد الزعتري