شعورهما بالوحدة | ستيفن دن | ترجمة: سلمان الجربوع

العدد 262 | 4 كانون1 2020

 

حلاوة

 

ولمّا بدا أنّي لم أُطِق احتمالَ

         صديقٍ آخرَ

يمشي بورم، مجنونٍ آخرَ

 

بسببٍ وجيه، باتت حلاوةٌ

         تأتي أغلبَ الأحيانِ

ولا تُغيّر شيئًا في العالمِ

 

سوى الطريقةِ التي أتعثّر بها خلالَه،

         تائهًا لبُرهةٍ

في غيهب غرامٍ

 

بشخصٍ أو بشيء، والعالم قد انكمش

         إلى حجم فمٍ،

حجمِ يدٍ، ولا يبدو صغيرًا على الإطلاق.

 

أشهد أن لا حلاوةَ

إلّا وتتركُ لطخةً،

لا حلاوةَ أبدًا حلوةٌ بما فيه الكفاية...

 

الليلةَ اتّصل بي صديق ليخبرني بأنّ حبيبته

         قد قُتِلَتْ في سيّارةٍ

كان يقودها. صوته كان خافتًا

 

وأجشّ، أعاد ما احتاج إلى

         أن يعيدَه، وأعدتُّ

الكلمة أو الكلمتين اللتين تُقَالان في حزنٍ كهذا

 

حتى بتنا نتحدّث بالنغمات فحسب.

         تأتي حلاوةٌ أغلبَ الأحيان

كما لو كانت مُعَارَةً، تلبث ما يكفي من الوقت

 

كي تمنح معنًى لمعنى أن تكون حيًّا،

         ثمّ تعود إلى منبعها

المظلم. شخصيًّا، لا يعنيني

 

أين كانت، أو أيّةَ طريقٍ مريرةٍ

سَلكَتْ

لتبلغَ غايةً بهذا البعد، مذاقًا بهذه الحلاوة.

 

 

افتراضات

 

أيُّ أحدٍ يستهلّ جملتَه قائلًا: «بكلّ صراحة...»
على وشك أن يفوهَ بكذبة. أيُّ أحدٍ يقول: «هكذا أشعر«
يملك شكلًا أفضلَ للحبّ، أجملَ ممّا يتيحه الإفصاح. مِثلُهُ
مَن يعتقد أنّه يفكّر جيّدًا لأنّ عنده فكرة.

 

إن قلتَ، “أنت قبيح” لشخصٍ قبيح- فلا فضلَ
للصدق، إذ يجب دائمًا أن يكون اكتشافًا، فِعلًا
له أهليّةُ إنجاز. وإن ألححت
فلستَ سوى نذلٍ دون قلب، خنزيرٍ دون مرآة،

 

لست سوى واحدٍ لم يختبر نفسَه كفايةً.
ثمّة تردّدٌ يُلْمِح إلى مقاربة الصدق، يقترح
أنّ صعوبةً حاضرة. تحتاج جملةٌ مفيدةٌ
إلى إسنادٍ أو اثنين، اعتراضات، مقرونةً بالفواصل،

 

ما يدلّ على تمهّلٍ، وإعادةِ تفكير.
قبل أن أخطبَ زوجتي، أخبرتها
أنّي لن أكون صادقًا تمامًا. لا أحدَ بالمرّةِ، قالت،
قد صارحها بمثل ذلك. كنتُ أحاول

 

أن أكون مُغاليًا في الصدق، قلت، لكن في الحقيقة
كان لديّ دافعٌ آخر. دعوى من غير «لكن»
هي، في أحسن الأحوال، نصفُ حقيقة. بكلّ صراحة،
كنتُ أستبقُ سؤالَها الصفح.

 

 

شعورهما بالوحدة

 

إنجابُ طفلٍ برأسين، لكلٍّ دماغه الخاصّ،
نبّه الأبوين على التوزيع غير العادل
للذكاء في هذا العالم.

 

بإمكان الرأس الذي سمّياه جون أن يُنظِّر،
خصوصًا في ما يتعلّق بتصوّر
أنّ اثنين ليس بالضرورة أفضل من واحد،

 

ولأنّه بارعٌ في تجريد الأفكار،
كانا واثقين بأنّه يعاني وحدةً
أعمق من تلك التي يشعر بها آندرو، وأنّه يعرف
أكثر قليلًا عن الشقاءِ

 

اليوميّ لأن يكون المرء نفسَه، بؤسٌ
يميّزه الأبوان في تعابير وجهه.
غالبًا، عند الإفطار، يخيّرانهما بين
البيض والشوفان.

 

إن قالا معًا (بيض)، فجون يعني
مسلوقًا، ومقليًّا ما يقصده آندرو،
وإن اختلطت الأطباق
فإنّ آندرو لن يأكل، أمّا جون

 

فسيمنحك نظرةَ طفلٍ
أُسِيءَ فَهمُه بشكل عميق.
ماتا في سِنّ السادسة، تفصلهما دقائق معدودة،
قبل أن تصبح الأمور أكثر تعقيدًا

 

مع موضوعات بعينها
تخصّ كيفيّة التصرّف بعضو ذكريّ مشترك.
أحسّ الأبوان أنّ الموت قد جنّب جون
ذلك الشعورَ الآخرَ بالوحدة- وحدتِهما- كيف

 

يكبران إزاء أشياء لا يملكان لها اسمًا.
وآندرو من عاش دقيقةً أطول، لَعَلَّه، كذا فكّر الأبوان،
قاسى ما تقاسيه زهرةٌ

 

لحظةَ تُقطَفُ بالقرب منها أخرى أكثرُ جمالًا–
مزيجٌ من الحزن وأسئلةٌ من نوعِ ما-ذاك-الشيء-الذي-لم-يعد-هنا،
ما-هذا-الشيء-الذي-أحسّه؟

 

 

وظيفة أخي

 

أخي الذي يعرف

مذلّة الوظيفة

يعود إلى البيت بمذاقها

وقد استحال «بِبْسينيًّا»، تلك الرائحة

التي تميّز الكرامةَ المبتَلَعةَ تصعد

إلى نَفَسِه، زوجته تنتظر

القبلة التي لفرط امتلائها

بالنهار لا تطيق احتمالها.

أخي الذي يسمع صراخَ

رؤساءِ العمل، هو نفسه ليس رئيسًا

فلا يصرخ سوى في البيت،

يظنّ أنّ الصراخ هو ما يسمح للرؤساء بأن يمشوا

المِشيةَ الواثقةَ المطمئنّةَ التي لنمورٍ

أكلَتْ كلّ فرائسها.

أخي الذي لن يترك

وظيفته يتساءل كيف ترك (غوغانُ)

العالمَ والتقى نفسَه على الجانب الآخر منه.

«يا للجرأة!»، يقول؛ «أجرأ

من انتحار». أخي الذي

ليس أقلَّ من أيّ شخص ألجأته الحالُ

إلى الائتمار بأمرها، الذي يودّ لو

ينهض ذات صباح ضدّ

كلّ الاحتمالات ويلبس

جسدَ النمر،

أخي

يعود الآن إلى البيت، وزوجته

تنتظر القبلة.

 

 

تمثال المسؤوليّة

 

تخيّل أنّه قد أهدي إلينا
من دولةٍ تريد أن تتغلّب على شعورها بالنفاق
أستطيع رؤية أحدهم واقفًا في اجتماع
ليقول، أعطوه للأمريكان، يحبّون لشعبهم
الأشياءَ الكبيرة، يحبون العيش
في الأضواء بين مشاعر الفخامة والقلق.
وبدلًا من ذراع مرفوعة تحمل شعلة، دعونا نُصِرّ
على أن يثبّتوا قدميه في الأرض بحذائين هائلين
من الإسمنت- رمزًا للحتميّ الذي لا مفرّ منه.

 

سننصبه على الأرض المقابلة لتمثال الحريّة
في بروكلين. وسأجدني معتادًا على زيارته
راكبًا المصعد إلى صدره حيث أشعر أنّي مبعوث
برسالةٍ ما. وقرب قلبه سأكتب بالطلاء:
بعد الطغاة، لا شيءَ  أكثر إثارةً للمقت من الشهداء*. أرنو طويلًا إلى تلك الكلمات
محاولًا أن أفهم دوافعي للتنوير عبر انتهاك المقدّس.

 

في إحدى قدميه الضخمتين محلّ هدايا
يشتري منه السيّاح تحفًا مصغّرة من تمثال المسؤولية لأنفسهم ولأصدقائهم.
يظنّون أنّهم سيحتاجون إليها. أريد أنا
ملصقات للسيارة تباع بالمجانّ تقريبًا، مكتوبٌ فيها:
قليلًا من الحديث عن الضمير، أكثرَ عن الوعي

 

أستطيع رؤية صديقي, كان خادمًا للمذبح في صباه،
ولم يزل منذ زمن طويل مصابًا بجروح الذاكرة، يكتب
عند عيني التمثال: انظر إلى كلّ شيء،
تغاضَ عن الكثير، ولا تصحّح سوى القليل–
ثم يحكّ خطوطًا متعرّجة على حكمة البابا يوحنا پولس الثاني، فعل متهوّر بصراحة. لكنّ
كلماته تظلّ نبراسَ حياة.
كيف ترى نُحامي عن ذلك؟ كيف نقرّر؟

 _______________________________________

* اقتباس شهير للسياسي الفرنسي بيير جوزيف برودون (1809 – 1865)

 

*****

خاص بأوكسجين

 

ستيفن دن ,سلمان الجربوع

شاعر أمريكيّ (1939).صدر له أكثر من 15 مجموعة شعرية. فازت عام 2000 مجموعته "ساعات مختلفة" بجائزة بوليتزر عن فئة الشعر.

معلومات الصورة
الصورة من أعمال الفنانة الألمانية ايريس شوماكر.