سمّ الجنّة | محمد فطومي

العدد 238 | 24 تشرين2 2018

 

أحيك ملابس النّساء والرّجال على حدّ السّواء. لا أحد يضاهيني في المقاطعة بأسرها، فبين الرّجال أرى وجوها جديدة كلّ يوم، أمّا النّساء والصّبايا فأغلبهنّ – ونحن نناقش التصاميم - يرمقنني بنظرات تفضح تسليمهنّ بمشاطرتي إيّاهنّ اليقين بأنّ الرّجال أحمرة لا تفهم من أين يأتي الجمال. ظلّ ذلك هو الجانب المُشرق الوحيد في حياتي وسرّ  مهارتي الذي لا أبوح به أبدا. لكنّي الأفظع على الإطلاق فيما يتعلّق بالحصول على الرّخص والإعفاءات والاشتراكات بالسّبل المُلتوية أو انتهاز الثّغرات  مهما بدت  مُتاحة. يرعبني الخوف. جرّبتُه. كان ذلك لمّا سحبني سائق حافلة النقل الحضري إلى الدّاخل. أغلق الباب. لكمني لأنّي تمتمت ثمّ ألقى بي خارجا. كان لي آنذاك أخ منغوليّ يهوى ركوب العربات. تابع المشهد في صمت. لم يعد له وجود الآن في عالمنا. فسّرتُ موته بأنّه أخفق في أن يَثبُتَ على طريقة واحدة واضحة يضيف بها يوما جديدا إلى عمره. بعد الحادثة شعرت بالخوف. كنتُ وقتها قد وضعت قدمي في بداية الطّريق، طريق التخفّف من أعباء الضّرائب والمكوس. فبالكاد استطعتُ الحصول بفضل صديق دراسة قديم على ملفّ طبّي مُزوّر  يشهد بأنّي  مُصاب بمرض مُزمن. ثمّ لم يبق عليّ سوى استكمال إجراءات استخراج إعفاء نهائيّ من ضريبة الصحّة الجيّدة. تجدر الإشارة إلى أنّها لا تُعفي من ضريبة البقاء على قيد الحياة. كلّ منهما على حدة.  كانت ضربة حظّ من النّوع الذي تشطب إثره الأقدار  اسمك  من لائحة المُرشّحين إلى  غنيمة أخرى من الحجم الثّقيل. وإن حدث على وجه الخطإ فسيتمّ الاهتداء إليك منذ البداية كما يُطرق باب شخص مُنِح سهوا أكثر من راتبه. ستستردّ منك بلا شكّ. الغريب أنّي لم أقم بمقارنة بيني وبين الذين نجحوا المرّة تلو الأخرى في جمع ما يتسنّى من إعفاءات كأنّهم يجمعون الحلزون عقب يوم خريفيّ ماطر. حاليّا يلائمني الاعتقاد بأنّ سعادتهم كُتِب لها أن تظلّ معلّقة في ملاحقة الخطوة التالية وهكذا دواليك. في المُحصّلة هم مثلي! فكّرت. لا يملكون سوى  مسرّة واحدة تلتهم التي قبلها بشراهة، تماما كحبل يحترق متدلّيا. لم أراهن كثيرا على وعده لي. كان في نظري بلا فائدة أن يقدّم طبيب مرموق مثله امتيازا كهذا لتافه مثلي. كانت له هيأة مدير  مدرسة يوم سلّمني الملفّ. قال إنّه سيحتاجني عمّا قريب. قبل أن أسبغ على ملامحي سحنة العرفان دسّ في جيب معطفي ورقة. قال:«احفظ ما فيها عن ظهر قلب. إنّها قائمة بأعراض المرض وأجوبة عن أسئلة محتملة لو اضطروك إلى المثول أمام لجنة للفحص. تفان! هذه هي مكافأتي والآن انصرف لديّ عمل كثير» . أحسستُ أنّه احتضنني عوض أن يخطر لي بأنّه يطردني. كانت واحدة من تلك العواطف التي يصعب شرحها. بعدها علمتُ أنّه تورّط في قضيّة تهرّب جبائيّة لا فكاك منها. يُقال إنّ خلافا نشب بينه وبين زميل له في العمل صادف أنّ أخاه يملك أسهما في شركة استخلاص معاليم السفر  والاصطياف. لاحقا سأحصل على إجابة شافية عن منسوب النّقمة الذي تربّى في داخله. لكن خلال فترة غيابه كان كلّ شيء في شأنه غائما مع حدس قويّ يساورني بين الحين والحين بأنّه يزداد ذكاءً وضراوة وإفلاسا. لو عاد بي الزّمن إلى الوراء لما صدّقتُ أنّ مصائرنا سترتبط على ذلك النحو الحافل بالمجهول. أثناء اللّحظات النادرة التي أعود فيها إلى رشدي أقرّ بأنّي تخليّتُ عنه بحجة احترام رغبته بالاختفاء. لم أحاول تقصّي أخباره. لم أحرّك ساكنا. ثمّة مقولة سقطت في رأسي ذات شرود وأنا أتقدّم ببطء في طابور الثّلج الأسبوعي للحصول على نصيبي من قوالب الثّلج. كنتُ زمنها قد تنازلت عن امتلاك ثلاجة ومرحاض  لأقلّص من ضريبة المرافق المنزليّة. كنتُ أرتاد المراحيض العامة. هناك قسم للرّجال وقسم للنّساء. حين تعمّ القذارة في قسم النّساء يقلبون الّلافتات ريثما يشرعون في تنظيفه. في طابور الثّلج سقطت المقولة في رأسي جاهزة كأنّ أحدهم همس لي بها:«أن تعجز عن مراقبة الجليد يذوب، لا يعني أبدا أنّه يذوب خلسة» أعتقد أنّها تطابق وضعي إزاء اختفاء الطّبيب.  حين أصبح الإعفاء في حافظة أوراقي بتُّ أشعر أكثر من أيّ وقت مضى بأنّي أسلب جنديّا رفيقا جريحا معطفه في قلب الصّقيع تحت نظراته المُخزية. ولأخفّف من آلام الضّمير حدّثتُ نفسي أنّ معاناته تساوي ما كان يحظى به من نعيم وأنّه من العبث خرق المعادلة. هكذا نسيته. لابدّ أنّه غفِل عن تفصيل ما كان يجدر الاستهانة به مطلقا. أمضى في السّجن ثلاث سنوات. هنا على ذكر السّنوات الثّلاث ينبغي أن أعلّق قبل أن يسرق منّي حماسي لبلوغ النّهاية تفصيلا غاية في الخطورة بالنّسبة إليّ. فقد أوشكت ذات ظهيرة على محق الطّبيب بالكلمات. إنّه من طينة أولئك الذين تؤذيهم المفاجآت. عندما كنّا تلاميذا في الفصل كان دائما يحرص على أن يكون في حوزته الأقلام الثّلاث: الأزرق والأحمر  والأخضر، وكان إذا انتقص أحدها استبدله بآخر  فورا. حين كبر  صار  طبيب  أنف وحنجرة وأذن. متأكّد أنّي لو اختزلتُ له حياته بهذا الشّكل لكان لذلك وقعا يصعب تخيّله.

قد لا يصدّقني عاقل لو قلت إنّي أجهل ما يجري في المقاطعات الأخرى. فبالإضافة إلى أنّي غير مشترك في خدمة بث الأخبار على التلفزيون، لا أكترث للأحاديث التي تشاع عن قوانينهم. عادة أسمعها بأذنين بلهاوين فلا يعلق منها في ذاكرتي  شيء. على كلّ، لا أعتقد أنّهم أفضل منّا حالا. هنا في «شاقوليا» لدينا تفاصيلنا التي في الإمكان حصرها، إلاّ أنّ كلّا منّا بما لديه من اختيارات يشكّل منها ما يراه مناسبا لقدرته على الدّفع. سأفصح، آملا في أن لا تثير  وتيرتي السّخرية لو اتّضح أنّ ما أرويه أكثر بداهة ممّا لو أخبرت النّاس أنّ البعوضة حشرة.

كلّ البيوت في «شاقوليا» مُستأجرة. البلديّة تؤجّرنا إيّاها. في سقف المدخل ثُبّتَ جهازان محميّان إلى درجة يصعب معها تخيّل طريقة لإلحاق الضرر بها. أحدهما يصدر طنينا متواصلا طيلة ساعات اليوم والآخر عبارة عن مولّد للرّوائح الكريهة. بينها ما هو موصول بمجاري التّصريف ومنها ما هو موصول بمكبّ النّفايات. في البداية ظننت أنّ الرّوائح أقلّ وطأة على المرء من الطّنين المتواصل. لكن مع مرور الوقت بدا لي العكس فاشتركت في خدمة قطعة الرّوائح. لم أعتد الطّنين أبدا، لكنّه على الأقلّ يحدّ من قدرتي على التّفكير  فكانت النّتيجة في صالحي حيث تقلّص الأداء على التّفكير  بشكل ملحوظ. أردتُ دفع المغامرة أبعد فقمت بتمارين مكثفة لإخلاء عقلي فإذا بفاتورة التّفكير  في ذلك الأسبوع أصبحت ضعف ما كانت عليه. في النّهاية قرّرتُ أنّ أسلم معادلة في الكون هي أن تعيش بشكل عفويّ.  الأداء على التّفكير ندفعه أسبوعيّا. كان فيما مضى مُستقلاّ عن ضريبة الحلم فدمجوهما بعد تسجيل ألفي عمليّة غشّ متعلّقة بالتّشويش على جهاز قيس الترددات الذهنيّة الذي نلبسه طوقا في معاصمنا. في تلك الفترة راجت حبوب مُهرّبة تُدخِل من يتعاطاها في حالة من حلم اليقظة مُفتّح العينين.  تبعات الاكتشاف كانت مريرة فقد أُقِرّت عقابا لنا ضريبة للنّوم، تُجبى كلّ شهر ، يُستَثنى منها الإغماء والسّكر. إلى حدّ هذه السّاعة لا أفهم لِمَ يُصرّون على تقاضيها في مقرّات العمل. تُجمَعُ كما يجمع نادلو المقاهي الكؤوس الفارغة من الموظّفين في المصالح. أسوأ فريق لجمع الأداء هو ذاك المُكلّف بالأداء على الإقامة خارج السّجن. يطرقون بابك الأحد الأوّل من كلّ شهر. يحرصون على القدوم إمّا وقت الغداء أو السّادسة صباحا. يبدؤون الطّرق مباشرة كشخص فقد أعصابه لشدّة الانتظار. إضافة إلى أنّهم يتظاهرون دائما بارتكاب خطىء غير مقصود عند إرجاع البقيّة إن كان لك بقيّة. أمّا لو أعطيتهم المبلغ بدقّة فهم عادة لا يسلّمونك مقابله وصلا. وسترتسم على وجوههم فورا سحنة فقدان الصّبر والتأهبّ لضربك بشكل مُهين لو نطقت بحرف. أمّا الأداء على حالة السِّلم  وفاتورة الطقس الجميل فندفعها بأنفسنا مع مطلع كلّ سنة جديدة. الأولى طابع جبائي عليه صورة أسد يُطلّ من الخريطة والثانية ورقة خضراء تحمل جدولا يتضمّن تاريخ اليوم الجميل ودرجة الحرارة ونسبة الانتعاش والرطوبة خلاله. في حالة سهو أو مماطلة في الدّفع يُرسلون إليك شابّة لن تجد لملامحها وصفا أبلغ من جدارتها بأن تكون الطّالبة الوحيدة في صفّ ذكور يدرسون البناء أو الحدادة. في هذه الحالة عليك دفع خطيّة تتراوح بين يومين إلى ستّة أيّام جميلة. طبعا في وسعك الحصول على إعفاء من إحدى الضّرائب إن توفّر لك الظّرف القاهر كما يُمكنك دفع اشتراك سنويّ في خدمة ما بكلفة منخفضة لكن ليس هناك سبيل لتُعفى من أداء مهما كان نوعه، إلاّ إذا كنت قادرا على استخراج ترخيص يسمح لك بالانتقال للعيش في المنطقة الحرّة. إنّها الجنّة! النّاس هناك في حلّ من كلّ هذا. لكن مهلا! للحصول على التّرخيص أنت مدعو للتقدم بطلب تنظر فيه لجنة الخدمات المركزية قبل أن تحصل على موافقة بدفع ما يناهز دخل موظّف سام مدّة خمس سنوات. جنون!. زبائني من المنطقة الحرّة يملكون بشرة عاجيّة، ويوحون بأنّهم وجوه تلفزيونيّة مشهورة. بالنّسبة إليّ لستُ مشتركا سوى في خدمة وقف جهاز الرّوائح في شقّتي.

هذا الكلام المُقرف الجافّ هو ما سيصبح فيما بعد حقبة ماضية من حياتي. المنعطف حدث يوم زارني الطّبيب في المحلّ بعد خروجه من السّجن. سلّم بحرارة ووجه طلق. سألته عن أحواله محاولا قدر الإمكان شحن نبرتي بالفرح. بدا واضحا أنّه لم يُصدّقها لكنّه أجاب بحركة مسرحيّة مفعمة بالحيويّة فاردا ذراعيه مع انحناءة طفيفة كأنّه يدعوني إلى تفتيشه:«جيد. تمام.» يومها اقترح عليّ الإقامة معه. قال:«لا تفكّر كثيرا. أنا أمنحك فرصة لتودّع البؤس. اتبعني. لن تندم». خضنا في بعض المواضيع التافهة. ثمّ سألني دون مُقدّمات وهو يفكّ ربطة عنقه بازدراء مفاجىء:« ما رأيك في قرع بطعم التفّاح؟»

«لابدّ أنّه قرع الجنّة» قلتُ مازحا. قال دون تعبير على وجهه :« بل يعني أنّه فاسد». أطرقت. أومأت برأسي من ثمّ وافقت على مرافقته. لم يكن لكلامه مغزى. كلّ ما في الأمر أنّي لم أجد سببا يجعلني أرفض عرضه. حين أسترجع ما حصل يتبادر  إلى ذهني فقط كم كنتُ دائنا. أشرق وجهه بصورة جعلتني أشعر كما لو أنّ بكرة خيط قد اتّخذت وضعها المثاليّ في آلة الخياطة.

طيلة الأيّام التي تلت لقاءنا انشغلت بإجراءات تسليم البيت. دفع عنّي الطّبيب مصاريف التخلّي. جهاز الرّوائح والطّنين متوقّفان في بيت الطّبيب. خلال الّليالي الأولى  كنتُ أخلد إلى النّوم ولديّ إحساس بأنّي جريح محموم في بيت فاعل خير. في البداية كنّا نعمل بشكل طبيعيّ. كان هو من يدفع كلّ المكوس والأداءات. حتّى فاتورة التّفكير  والحلم الخاصّة بي كان يدفعها نيابة عنّي. بعد شهر تقريبا. في اللّحظة التي خطر لي فيها أن أسأله عن جدوى كلّ هذا، كشف لي عن نيّته في إطلاق مشروعنا المشترك الكبير كما أسماه. مع تمام السّابعة مساء من كلّ يوم سيتعيّن عليَّ الوقوف خلفه في أربع طوابير . عند أربع آلات عموميّة للتّرويح والتسلية. وهي حجرات ضيّقة موزّعة في المدينة  يختلي المرء داخلها بلوحة  تحكم عليها أزرار  ومكابس وشاشات. آلة الحلم فيها أربعة اختيارات. لافتتها كتب عليها : «عش سقوطك الحر». سيكون عليك أن تضع على رأسك تاج الأسلاك الذي يشبه ذاك الذي في آلة تخطيط على الدّماغ. ثمّ لا يبق سوى أن تختار الخدمة.  زر عليه صورة امرأة مثيرة. وآخر عليه صورة باطمان. زر عليه صورة لقصر  روسي ثمّ أخيرا زر عليه صورة شاطىء كاريبي. صورة المرأة ممحوّة. وصورة القصر بالكاد تبدو باهتة. الآلة الثانية هي آلة «احذر هؤلاء». ثمّ آلة ثالثة لتخفيف الضّغط لافتتها كتب عليها:«ألق بأعبائك». أمّا الآلة الأخيرة فهي آلة لمعرفة الطّالع أو طلب المشورة حول أمر تُقدم عليه. ترقن الأمر الذي يشغلك والآلة تنصحك بما يتوجّب عليك فعله. دوري كان مقتصرا على الوقوف خلف الطّبيب في الطّوابير  لتشتيت الانتباه وعزله عن المستخدمين ريثما يتمّ عمله. كنّا طيلة خمس سنوات نستولي على ما في جوف آلتين مختلفتين في كلّ مرّة لإبعاد الشّبهات لم يخبرني شيئا أكثر  من قوله:" أعرف سرّها". من جهتي لم أطالب بالمزيد. كان ذلك في حدّ ذاته سخيّا. جمعنا ثروة حقيقيّة، بدت معها ضرائبنا وأداءاتنا واشتراكاتنا لا تساوي أكثر من أعباء تربية قطّ. إثر ذلك انتقلنا للعيش في المنطقة الحرّة. هناك امتلكنا منزلا محترما واستثمرنا في الخشب وتين الشّوك فيما حافظت على مهنتي مع تغيّر بسيط يتمثّل في أنّي صرت فقط أعمل لحساب الطّبيب وحده. كان ذلك مريحا ومشحونا بالتحدّي. هكذا أحسست. كانت كسوته كلّها من صنع يديّ ماعدا الأحذية وربطات العنق. حتّى ربطات العنق كنت أتفنّن في عقدها له بنفسي. أصبح الطّبيب في وقت قياسي الرّجل الأهمّ في المنطقة بأسرها. ذات صبيحة أحضر  لي ثلاثة شبّان بالغي الوسامة. كان قد حلق شواربه دون أن أفطن إليه فبدا  قصير القامة. ألقوا التحيّة بابتسامة دافئة. هدوؤهم المُطمئِن جعلني لوهلة أعتقد أنّه انتدبهم لتلقيني مهارة ما. قاطع تخميني قائلا:« أريد تحفا لهؤلاء السّادة». نهضت لآخذ المقاسات. واستغرقت فورا في رسم التّصاميم دون أن أنبس بكلمة. صافحوا الطّبيب  باحترام مبالغ وغادروا. ظننت أنّه سيغضب لسؤالي ما حكايتهم فقد كنت أتقاضى منه كثيرا. قال : هل أحببت؟

أجبتُ: «كان ذلك منذ زمن بعيد». قال : هل تهوّرت لأجله؟ قلت : «لا أظنّني فعلت». قال : «ما كان عليك أن تقسو على نفسك كلّ هذه القسوة.». ما كنت لأنسى نظراته المُخيفة آنذاك. لزمت الصّمت فتابع: «هل تدري ما الذي ينقص المقاطعة؟» قلت:« ما الذي ذكّرك بالجحيم؟» قال : «ينقصه الحبّ». قلت: «لم أفهم». نطقتها محمّلة بالشّكوى على نحو يوحي بالغباء عوض أن أبدو متوجّسا. قال: «سيعملون لحسابي عشّاقا. سيكون عليهم يوميّا الذّهاب إلى المقاطعة. سيبعثون برسائل حبّ إلى زوجات السّادة الكرام.. نحن لا نموت حين نكفّ عن الحياة أيّها الرّجل الطيّب. نحن نموت حين نكفّ عن أن نكون جديرين بها.. أم أنّ لك رأيا آخر!». أصابتني عباراته بمرارة قطعت شهيّتي للأكل بقيّة النّهار. لم أكن أشعر بالمرارة فحسب بل بأنّ لي وجهه حتّى أنّ النّدبة أعلى حاجبه كانت تستفزّني لأهرشها.

السّنوات التي جمعتني بالطّبيب في إقامة واحدة أفرزت لغة مشتركة بيننا. لغة سرّيّة لها رموزها ومجازها الذي لا أحد غيرنا في استطاعته إدراكه. والسّادة الكرام في لغتنا هم أصحاب شركات المناولة التي تصبّ فيها الضّرائب والمكوس باستثناء إيجار البيوت التي كنا ندفعها للبلديّة. وهكذا صرت أخيط للشبّان البدلات وكانوا فعلا يقصدون المقاطعة كلّ مساء محمّلين برسائل الحبّ. الطّبيب هو من يكتبها بنفسه. كانت شبقيّة وقصيرة مشحونة حرارة لا تدع المجال لأيّ امرأة  كي تظلّ على الحياد أو تفكّر  في أن تُحرم من الاستمرار  في تلقّيها. نزولا عند رغبتي أرسل الطّبيب أحد الشّبان إلى زوجة أحدهم لتسوية حساب قديم. ظلّ الحال على ما هو عليه ستّة أشهر على ما أذكر. مع تمامها صارت تتناهى إلينا أخبار سارّة: خراب ودم كثير.

إلاّ أنّي لم أكن لأروي حرفا واحدا لو لم أتلقّ إجابة من الطّبيب عن السّؤال الوحيد الذي بدا لي عابثا منذ ارتبطت مصائرنا.

- الّلعنة! قلت.  كم كانوا رائعين هؤلاء الشّباب. لابدّ أنّ الأجرة كانت باهضة.

ردّ بصوت مُتعب: كانت الأجرة عالية دون شكّ. ماذا نفعل.. لم يكونوا قادرين على أن يدفعوا لي أكثر.

*****

خاص بأوكسجين

 

كاتب وقاص من تونس. من اصداراته "زبد رخام" 2013،و"جلّ ما تحتاجه زهرة قمرية" 2017

معلومات الصورة
الصورة من "سيشن فوتوغرافي" وهو عمل مشترك بين ثلاثة فنانين هم محمد الكاشف وغادة كمال ومحسن البلاسي بعنوان "دمية مدينة الرب _ الفصل ما قبل الاخير".