سلال الندم | سومر شحادة

العدد 231 | 20 أيار 2018

كان يتابع آثارك في الكتب والأغنيات، يقرأ عن الطوفان فيراك الحمامة التي أنبأت باليابسة، يقرأ عن الحروب فيجدك في تلك اللحظة التي يعرف فيها الجنود عبر الراديو بأنّ الحرب قد انتهت! يقرأ عن الهجران لكي يراك في محطة قطار مزدحمة بقلب دافئ وعيون فرحة تنظرين نحوه. لقد استهلكت آثارك عمره، ثمّ وجدك تضحكين، تقرأين شعرًا وتضحكين، تتحدثين إلى رفاقك وتضحكين، تعبرين الطرقات وتسدلين الستائر، تشعلين الشموع والأمنيات. وقبل ذلك، قبل ذلك، كنتِ تنظرين إليه كيف يستهلك عمره في الطريق إليك، من دون أن تتوقفي عن الغياب في الأشياء من حولهِ. كان يتابع آثارك في الأفكار؛ إنّك في الحقل بمثابة السنبلة، وفي الريحِ الصخورَ التي تحمي الأزهار، يتابع آثارك في البيوت فيراك خيوط الشمس التي تدخل النوافذ. أنت جميلة في عينيه، بدا أنّه يحمل اسمك ويدور القرى في الصباح، يجيء إليه المرضى والعجائز، يتأملون جمالك في عينيهِ. راحوا يسيرون خلفه، يتساقطون في الدروب، يسندون أنفسهم أو يمسكون بالعيدان والأشجار. يتابع آثارك في الأفكار وكانوا يلحقون بهِ، كما لو أنّه يصوغ لهم خلاصهم. لكن أنّا له أن يكون خلاصًا لأحد. كان مجرد مهووس بتفاصيلك، ولذلك، لذلك، راح يحمل صورتك في عينيه ويدور بين الناس باحثًا عن آثارك في قلوبهم. عندما وجدوه يصنع سلال الورد، كان يتابع آثارك، ظنوا أنّه ينصب الفخاخ لكِ لأنّك من بين الأزهار تخرجين. لكثرة ما تابع آثارك بين القرى والوديان وعند الينابيع، صارت الحساسين تخرج من راحتيه، وصار وهو يجمع مفاتيح الحبّ إلى سلسلة واحدة ينتبه كم يحبك، صار وهو يعلق تلك المفاتيح على شجرة فقدانك التي ترشح بالأسى ينتبه كم يحبك. الشجرة التي جمعت من حولها جياعًا وعشاقًا وتائبين، تتدلى مفاتيح حبّك من بين أغصانها، ومن بين أغصانها ينزاح ثقل الهجران. كان يتابع آثارك، إذا وجد امرأة تجلس على سور عالٍ وترمي المارة بالأحجار، يعرف أنّ جمالك قد مسّ أنوثتها. إذا وجد فتيانًا يجمعون الأحجار ويضربونها ببعضها كي تنتج شرارة ما، يعرف أنّهم لم يدركوا طبيعة سحرك. يتابع آثارك في الأحجار ذاتها، وقد نبتت على أطرافها أزهار بنفسجية تشبه تلك التي كنت تنظرين إليها في طريقك إلى الحدائق، حيث وجدتك تلك المرأة وصارت ترمي الطرقات وراءك بالأحجار، وحيث التمّت حولك الأزهار واختفت آثارك. كان يتابع آثارك في الأزمنة، يراك المسافر مثل من يرى أبنية مدينته البعيدة عبر التلفاز أو عبر زجاج القطارات. ينظر إليك الغريب نظرته إلى فتاة جائعة إذ يذكّره الجوع بأهله في الحروب. يتابع آثارك ويزداد معرفة بكِ، ما بين أزمنة الحنين وأزمنة الرِّقة راح ينتبه إلى جهلهِ، ينتبه إلى أنّه؛ ما كان يتابع آثارك بقدر ما كان يكتشفها، وفي غمرة ذلك الاكتشاف كان يبني نفسه، يسيّج قلبه بالحب وبدنه بالشوق وذاكرته بالأمكنة التي تعيشين فيها، يتابع آثارك في الرِّقة، إذ يحيط نفسه بهواء هو رائحتك، ويبعد عن خديك تلك الخصلات التي نبتت حبًا في قلبهِ وأشواقًا في بدنهِ. كان يتابع آثارك في الآلام؛ وقد وجدك بعد صيحة الديك الثالثة عندما أنكر بطرس صاحبه. يتابع آثارك في الهجران، عندما أدركت الطيور أنّ أوان هجرتها قد فات. يتابع آثارك في فكرة التخلّي المعافاة والتي ما لبثت تنجب قلوبًا وحيدة.  ولذلك ما كان يخطو في درب يعرف أنّه لن يقود إليك، وما كان يكتب عن الحب إلا ويعرف أنّ كلماته تصير مثل النبض بالنسبة للقلب، إلّا أنّها كلمات تمضي من غير أثر، كلّ واحدة تمحو التي قبلها، كلّ واحدة تجعل من آثارهِ خيطًا رهيفًا من الصيحات التي تشبه سرابًا في المخيلة.

ما يزال يتابع آثارك عبر شعراء تحبين قصائدهم، عبر أسوار كنت تقفين خلفها وأنت تجمعين النهار إلى معصميك، وأنتِ تجرين وراءك حبال المعصية ثم ترميها خلف دلاء الماء كي تسقي العصافير والأزهار والغربان. ما يزال يتابع آثارك التي استهلكت عمره، يبحثون عنه في الدفاتر ولا يجدونه، بين الأقلام وفي طوابير الجوع والخوف ولا يجدونه، عند المفارق وفي الساحات وفي دكاكين القرى البعيدة ولا يجدونه، بين الجداول وآلات الموسيقى وفي المسارح، عند الإشارات وعلى مقاعد الإسمنت في الكراجات العامة في ليالٍ ماطرة وباردة ولا يجدونه. ما يزال يتابع آثارك، مخمورًا من الحب والحزن ينتخب الكلمات ثم يشطبها. كان يتابع آثارك حتى قادته آثارك إلى ذاتهِ واختفى!

*****

خاص بأوكسجين

 

روائي وكاتب من سورية. من رواياته "حقول الذرة" 2017

معلومات الصورة
الصورة من مجموعة أدهم عبدالله الفوتوغرافية.

مقالات أخرى للكاتب