خلاف منطقي | مروان عثمان

العدد 256 | 23 أيار 2020

 

-1-

 

 "صدقني، يأبى عمري الذي قضيته معه أن تصل الأمور بنا معًا لهذا الحد.

 لطالما أكلنا معًا من طبق واحد، ولطالما جعنا ولم نجد طبقًا نأكله!

 لطالما نعمنا بالحظ والمال معًا، ولطالما أكرمنا النحس بعقابه وتشردنا معًا في الشوارع.

 وكنت على استعداد للتشرد معه لما تبقى من أيام في عمري، لو كُتب علينا ذلك.

 لكن ها أنت ترى الآن ما وصلنا إليه نتيجة غبائه وقلة تفكيره.

 أقدر قلقه البالغ علينا وعلى عملنا، لكن هناك شعرة بين القلق والخوف الزائد الذي لا يصلح معه عمل خطر كعملنا هذا.

 صار يخاف كلام الناس!

 الناس لا يتوقفون عن الرغي والثرثرة والخوض فيما لا يُخاض، صحيح، أنا معك.

 لكني أقول لك، واسمعها مني، الوصفة اللازمة لغلق باب الأحاديث.

 الجرأة، بمعنى أصح، البجاحة.

 سأعطيك مثالًا لتفهمني؛ لو وقفت-لا تؤاخذني-مصدرًا نفسك للحائط، ثم أنزلت بنطالك، وطرطرت على الجدار.

لو مرّ بك أحدهم ونظر إليك، سيستنكر ما تفعله بالتأكيد، وخجلك مما تفعل هو ما سيشجعه على ذلك.

 لكنك في أثناء طرطرتك لو أدرت وجهك ونظرت في عينيه، لارتد الخجل إليه!، ولوضع عينيه في الأرض وما تجرأ على النظر تجاهك أو تجاه الحائط من جديد!

 أفهمت؟!

 تبدو مقتنعًا الآن،

 هكذا تمامًا كما أقول لك،

 صدقني،

 البجاحة!"

 

-2-

 

 "لا أحتاج لأن أسمع منك ما قاله لك بحقي، أنا أعرفه جيدًا.

 أجهدت نفسك، وأضعت وقتك بالحديث معه.

 لا طائل من ابن آدم كهذا ليفهم!

 حدّثك طويلًا عن الجرأة والبجاحة، أليس كذلك؟!

 وصمني بالجبن، أعرف، أعرف كل ذلك بالطبع ولا أحتاج لسماعه منك، كما لن تحتاج لتصحيح ظنوني حول ما أفضى إليك به.

 ذاك غبي لا يفهم!

 كثيرًا ما طالبته بالصبر، لطالما ذكرني بأيام الجوع والفقر والتشرد، ولطالما طالبته بأن نستحضرها الآن-ولو قليلًا-مخيرين، كي لا نعود إليها مرغمين.

 وينعتني بالجبن أيضًا، أما عجايب في الزمن ده!

 لو لم تكن العِشرة، لدفنت ابن القحبة الغبي ذاك!

 اطمئن اطمئن، لا تهدئني، لن أقدم على شيء.

 فقط أفك الكلام الحبيس بداخلي، كي لا يزداد غضبي منه.

 لا تتعب نفسك معه، أنا أعرفه جيدًا، لن يُهدئه سوى حصوله على نصيبه.

 لن يرتاح بغير التفات العيون إلينا، ابن القحبة!"

 

-3-

 

 "لولا العيش والملح الذي بيننا لقتلته!

 أيرضيك؟! أيرضيك ما يقوله في حقي؟!

 لا تحتاج لإخباري كي لا يفور دمي أكثر!

 لكن بينك وبين نفسك أيرضيك ما يقوله في حق عِشرة عمر مثلي؟!

 لقد صدقته منذ البداية، وقلت ها قد لعب الحظ معنا لعبته أخيرًا بعد أيام الويل التي ذقناها، وانفتحت لنا طاقة القدر!

 ناهيك عن السلاسة التي رافقت عمليتنا في تلك المرة.

 دخلنا الشارع ولم نجد به أثرًا لمخلوق سوانا، لم أقل إنسانًا، بل مخلوقًا!

 لم نجد دكانًا صاحبه سهران!

 لم نصادف مارًا عائدًا من صلاة الفجر!

 ولا حتى سمعنا نباحًا لكلاب الشوارع المنتشرة في تلك الأوقات من الليل!

 وكأن الشارع خُلق لنا وحدنا!

 وفي الحال فصل هو الكاميرات عن المحل، وكسرت أنا الأقفال دون الضجيج المعتاد، ودخلنا...

 لو راقبنا ضعيف بصر من مسافة، لظننا أصحاب المحل من السلاسة التي دخلنا بها.

 أراهنك أن ذاك القفل الضخم الذي فتحته، يُعصلج آلاف المرات مع أصحاب المحل أنفسهم منكرًا صلته بمفتاحه!

 المهم أننا دخلنا، ولم نضيع وقتنا كالمعتاد في محاولات فتح الخزنة الصلبة وأرقامها المعقدة.

 كان اختيارنا من الأساس لمحل ذهب لهذا السبب بعينه.

 لأن البضاعة المعروضة داخل المحل وحدها أثمن من كل ما قد تحتويه خزنة من أموال.

 وتوفيرًا لمحاولات فتح الخزنة المرهقة، التي قد نجدها خاوية سوى من بعض أوراق لن تهمنا أو تنفعنا في شيء.

 المهم حتى لا أطيل عليك، عبأنا كل ما رأته أعيننا من ذهب.

 خواتم، أساور، سلاسل، قلائد، كل ما تحلم به!

 وكل ما وجده علي بابا في مغارته!

 وخرجنا من المحل والشارع كما دخلنا.

 لم تصورنا كاميرا،

 لم يلمحنا أحد،

 لم ينبح علينا كلب بلدي،

 ولم يشك فينا مخلوق!

 وبعد كل ذلك، بعد سرقة العمر تلك، أخذ كل الذهب وخبأه، ومن لحظتها لم تنعم به سوى أعيننا!

 ما هذا الحظ العجيب!

 أيعقل أن نقبض على ذلك الكنز الذي لا يحلم به أحد، دون أن يصيبنا شيء من الغنى أو المال الوفير!

 مم أخاف لا أستطيع أن أفهم، الحسد؟!

 حتى عيون الدنيا كلها لو اجتمعت، لنلنا من الغنى حظَا لا بأس به!

 حتى النوم يا رجل، فارقني!

 لا تراودني الكوابيس كما لعلك تفكر الآن، إنما تزعجني الأحلام!

 سيارات فارهة، أراضٍ، قصور، حدائق، سجائر مستوردة بدلًا من هذا الكيف المضروب!

 تخيل!، تزعجني الأحلام لأن ما بها بيدي ولا أحصل عليه!

 عجائب تحير الشيوخ والدجالين ومُحضري الجن!

 على ذكر الجن، لو خرج لي جني من قمقم لما طالبته بثروة أكبر أو أزيد من تلك، بل لما طالبت بما هو أزيد من نصيبي!

 نعم، الطمع وِحِش!

 ادع لي بأن انتهي من الأحلام وأنال حظي منها في الواقع!

 جف ريقي على اللهاث على الثروة، ولم أعد أطيق الصبر!"

 

-4-

 

 "أذكر كل ذلك. أذكر ابن المفضوحة ذاك؟!

 ربنا يستر، وألا يكون قد سمعه أحد، هذا الذي ينقصنا!

 وعلى رأي المثل: "ماشافهومش وهما بيسرقوا، شافوهم وهما بيتقاسموا".

 نحن حتى لم نأت للقسمة بعد!

 لكنك طالما سمعت منه كل تلك التفاصيل، سأشهدك عليه!

 سأشهدك أنني لم أخطأ في شيء!

 ها نحن، بالعقل، كيف نسرق محلًا كبيرًا في الصاغة، ونذهب في اليوم التالي لنبيع بضاعته بالمحلات المجاورة له في نفس المنطقة، وبلا فواتير قديمة للشراء، دونما إثارة للشكوك أو لفت للأنظار!

 أنرتدي طاقية الإخفاء مثلًا!

 أوتظن شخصًا بهيئته القذرة وغبائه، لن يكون مثيرًا للشك داخل محل ذهب لو لم تقع سرقة من الأساس؟!

 لمثل تلك المصروفات مليون طريقة للتصرف فيها أكثر أمانًا،

 سأبيعه قطعة قطعة بسعر أقل بعض الشيء،

 سأهربه لبلاد أخرى ليباع هناك،

 إنشالله أذوبه وأشكله من جديد!

 سيأخذ نصيبه وسأخذ نصيبي وليذهب كل منا إلى حال سبيله.

 لكن الصبر يا عالم الصبر، لا أريد دخول السجن بعد كل ذلك بسبب غبي لا يستطيع إبقاء فمه مطبقًا لبعض الوقت!"

القاهرة

27-4-2020

*****

خاص بأوكسجين

 

 

قاص من مصر.

معلومات الصورة
الصورة من أعمال النحات والرسام المصري آدم حنين (مواليد 1929) الذي فارق الحياة يوم الجمعة الموافق 22 آيار/مايو 2020