حياتي داخل النص | شهد أحمد

العدد 225 | 15 كانون2 2018

بدأتُ حياتي بكوني فراشة. فراشةٌ صغيرة نحاسية، تميلُ أجنحتها إلى اللونِ البرتقالي، تطير وامضةً، من زهرةٍ إلى أخرى، عبر الجبال والتلال والحقول. تنشط نهاراً في الأجواء الربيعية، وفي الليل تجذبها النوافذ المضيئة. وحين جاء الشتاءُ، قررت أن أهاجر لمسافات طويلة، لتمضيته في المناطقِ الدافئة، لكنّ أمي كانت تبكي، لذا أهديتها جناحيّ، وهكذا صرتُ يرقة سوداء شائكة تنمو وتعيش لأسابيع قليلة فقط.

كبرت قليلا، وصرت أملك ذنوبًا لا تناسب عُمري. أحد الذنوب، التي كانت تجعل مني طفلة غريبة: ظني بأن الخير لن ينتصر. وفي كل مرة فضّلتُ فيها الشر على أي شيء آخر، عاقبني أبي بالعقوبة التي أريدها، أحببته حينها، لأني وبفضله أملك رأي الخاص، وإن كان بشأن عقوبتي. فاخترتُ الوقوف على قدمٍ واحدة، لأن الحائط كان باردا وصامتا، ولا ينهار مهما ضغطتُ بيديّ عليه.

بعد سنين قليلة، سافرت للمرة الأولى: انتقلتُ من غرفة والدتي إلى العيشِ مع أختي في الغرفة نفسها. كان أمراً في غايةِ المسؤولية.. صرتُ أملك تختًا وخزانة ونصف مرآة، وأفكاري التي احتفظتُ بها في علب المكياج الفارغة؛ كانت زينتي الوحيدة يا حبيبي.

وحين خبأت ربع طعامي للعصافير، أيقنتُ أنني حزينة، وعرفت لِمَ كانت أمي تُعبر عن حبها لي بصنعِ كعكة، بدلا من الأحضانِ والقبلات.

في هذه المرحلة من حياتي، شاهدت أختي تصلّي، وسمعتها تقول: يا الله اجعل لي بيتًا عندك. لم أكن أعرف مَن يكون الله! لكنها أخبرتني بأنه مَن بعث للعصافير رزقها من الطعام، وأن بيته السماءَ. فأحببتهُ. وفعلت كما تفعل، أخبرته بأنني أريد أن ينهمر الحزنُ عليّ، كما ينهمرُ المطر على الحقول، وأنني أريد عالما ضخما من الحزن، فيه أناس يبكون ولا يفعلون شيئا آخر.

تعلمتُ في المدرسة القراءةَ والكتابةَ والغناء بين الحصص. لقد كبرت فيها كثيرا للحدِ الذي لم تعد فيه أمي صديقتي المُفضلة. صار لدي صديقات ودفاتر خاصة تحملُ أسماء عشاقنا السريين. وقتها أخبرت صديقتي أن تحت السجاد وطنا آمنا للعلاماتِ المتدنية، وأننا لم نأتِ من سوق الأطفال كما أخبرونا، وأن الإنسان أهم مخلوقات الله، على الرغم من غيابه الشديد عنا، أو غيابنا نحن عنه.

كبرتُ ووجدت أسباباً للبكاء أكثر من مشاهدة "ريمي"، كبرت وعلمت أن في الوقت الذي كان عقلي فيه مُغلقا، كان باب السماء مفتوحا، وأنا الآن أهم مواطنة في عالمي الضخم الحزين.

كبرت وبحثت عن الإيمان، الذي ينقلني من حيزِ الفكر المجرد، إلى حيز القلب الذي يحسُ ويشعر، فأحببتُ شاعرًا.

*****

خاص بأوكسجين

كاتبة من الأردن.