جَمَاجِم | أحمد سواركة

العدد 166 | 10 شباط 2015

أعرِفُ رجلاً يمضُغ العِظام

تَابعتهُ في الليل، وهو يَضَع يَديه عَلى مَقبرة

دَفعها فِي رأسي واختَفى فِي الظَلام

وعِندما فتَحتُ النَافذة

خَرجت جَماجم بأجنحَة

تراطَنت فيما بَينها كثيراً

وأنا بِدوري كُنت أفكّر في الرجل الذي شاخ

وهو يَمُصُّ تبغاً رديئاً عند محطة الباص

وعلى يديهِ وشمٌ

يُفَكِّرُ في حضارة تَهشّمَتْ في حادث مروُر

ويُتابع حالة الشمس وهي تُغطي البلاد التي تركَها وعمره يُناهِز الثلاثين

أجبَرني صَوته  أنْ أبكي

عندما لَحس وعاء البصل في النوم

ثمّ قال نتيجة ضربات معلومة  للجميع: 

 قطعتُ كلّ هذه المَسافة كي أتّذكّر.

أنا مُتقابل على المَبنى الذي انهَار في الأمس 

أعرفُ مواسم الكلام الذي يُدونه أثناء البرد

وأعرف خوفهُ الطبيعيّ من الموت 

لَكنْ، هَبطتْ من الشارع البَعيد امرأة مَفتُونة بالأزهار

وتحدّثت إليه عن الأحلام

فلَمعت عَيناه أمَامي

ظهرتْ الدهشة على شَفَتيه

وهو يُعاتبني على عَدم الاكتراث بحسرَاته

ثمّ جاء عدد كبير من الناس

احتَضَنُوهُ في نفس الوقت

لكنَّهُ صرخ بِصوت مَكتوم

ونادى عَلى الطريق الذي نَسيهُ في ليلة الخَريف المَاضي

وكَما لو كان يُعلّم الرقص

نهضَ من مقعد الباص

وسحبَ  _ خلفهُ _ كلباً رماديّ اللون

وزجاجة مياه

ثم أعطاني المعطف

وأنا، لكي أكون منحازاً  لنفسي

دخلت في مَكنة عملاقة

ودفعتُ في عقلي ثلاث سُلالات نادرة

فظَهرت عُروق دموية في يديه

وهو يُقْنِعُني بأهمية أن أمضغ الجَماجم مِثله في الصَيف

عوضاً عن ذلك 

تبادلنا كلمات رديئة عن المَكان 

لأنّه أصبحَ امبراطوراً يبكي

ويفركُ يديه كَما لو كَان يَعتزم فعل شيء

ثمَّ اختفى وهو يقبّل صيّادين في قارب

وعندما هاتفتهُ على الفور

لَمْ يَرد

أنا تابعتهُ وهو يتعرّى في إحدى الغابات

وقتلت ثوراً خرج من مؤخرة رأسه أثناء تَصَفُّحِهِ كتاباً عن الإهانة 

لكنّهُ أنْكر كل ذلك

على سبيل أن نَمشي في صمت

الذي جعل الأمر أسوأ هو اكتشافي لجرح عميق في إحدى ساقيه

وكان يشرف على الموت وحده

لكنّه تطرق إلى عادة ليلية مفادها

قتل السنوات والسعي جنبا الى جنب مع الماضي

لذا ، أصبح في المنتصف

يحدق في المستقبل

كنوع من الهروب القاسي

وحدث أن أنهارت عليه قلعة

لأنه أخطأ تَفْسيّرها

وكان يُخطط للقاء امرأة على ضُوء شَمعة

لكنّه شَعر بِترَدّدْ

وقال لي أن السَبب الحَقيقي اهتمامها بالحيوانات 

كما نَوَّه بطلاء الأظافر وذَكَر بعد ذلك كلمات غير مفهومة

هذا جعلني أمرّر مسماراً في فَكّه الأسفل

وأسحبه إلى الظهيرة عند مَنطقة الجِسر

حيثُ نَبَهني أن امرأة ثانية تنادي عليه 

وأنّه رآها تسيل في مطعم السمك

وبهذا احتضن المَحطة

وعلَّق على كتفه زجاجة نبيذ مسروقة

لذا انتظرت صوتاً يخرج من صوتي

 يُحدّثني عَن الحُب ومَنطقة البَاعة ومَوقف سَيارات الأجرة

وانحنى ليؤسس ضاحية في الشمال

فجاء بسلم خشبي

زحف ميلين على ساقه

وعاد

المرأة صعدت السلالم بنوع من الغيرة

والجهاز المركون في صندوق السيارة الحمراء اختفى

كان يعضّ ملابسها في المقعد الخَلفي

ويؤكد:

زراعة الأشجار نوع من الترف العائلي

أضاف: أنا مقهور في الظلام

لأنّني سمعت عواءَ المرأة وهي تأكل النخالة في مطعم الأسماك

لذلك، تحرّكْ نحو البيت المجاور

كي تُراقبْ الذي حدث لجارك

طبعاً، لم يكن هناك صوت

ولم أصل إلى الكوخ الخشبي الذي أُحرِق بِالكامل

أنا انتظرت عودته ثلاث سنوات

قتلت الكلاب الضالة التي تَركها في حديقة المنزل

وشربت النبيذ كله

وعندما بنوا متجراً للتبغ ، شعرت بامتداد لي قد تكوّن

لكنّ المكان ضيق

رائحة جثث تفوح من الداخل

وفي مكان الكتاب المركون على الرف، وجدت عنقاً لامرأة من الشعب

فتراجعت قليلا وأنا أخمّن اسمها الحقيقي

وكم عدد القبلات التي عُرِضَتْ عَليِها

انتظرتُ ساعة كي أفهم الأصوات التي تتحرك على السُلّم الخارجي

وأنا أشعل الثقاب في وعاء الزهور

كنت أتوقع ظهور امرأة أحبها

لكن الباب مُغلق

وفي الخارج، قد تكون أمطرت.

***

 

الشجرة نامت

وبائع القلائد بَحث عن أسنانه 

عندما انْعَكَست جبهتي على حائط في مبنى الجَماجم

من هنا سقطت الشمس على وجهها الأصفر وهي تفتح النافذة 

وكانت تتهيأ لتَوضِيح عادة من عاداتها 

وضَعت القِطة السَوداء على ظَهر المِقعد الخَالي

ونفختْ في كتلة زَرقاء

قالت بأنّها الذاكرة

ولهذا تكلّمت ْعن نفسها بطريقة بطيئة 

ووضَّحتْ  بأنَّ سريرها في شرق الحُجرة

عليه زجاجة عِطر

ودواء أصفر ، تستخدمه وقت الحاجة

ووصَفت الليالي بأنَّها سوداء

وتكلَّمت أيضاً عن الحظ 

ومخطَّطاتها لقتل رجل أحبته قبل ذلك

تكوّمتْ الحدائق بيننا

وضغطتُ على بطنها في الممر العمُومي

فوجدتُ كيساً من الجماجم

ووجدتُ ساعة

وبرميلاً منْ السوائل

وقالتْ لي أنَّه يوجد أيضاً

شعر مستعار ، ومقص وقنينة دواء للأستخدام الخارجي

في هذه الأثناء ارتعشتْ

طلبتْ من الحارس أن يضغطها في صندوق الطوارئ

ولأنَّه رفض

نظرتْ لي بتوتّر

وهي توضّح شعورها بالغضب

لكنني حَجزت روحها في إناء النبيذ

وضغطتُ عليه مرات عديدة

فشهقت بإمعان  وهي تشير 

إلى كيس الجماجم. 

________________________________

شاعر من مصر

 

اللوحة للتشكيلي الروسي Igor Moniava

*****

خاص بأوكسجين

شاعر من مصر. من إصدارته الشعرية: "أهوال صغيرة" 1999، و"أغادر جسدي" 2000، و"هواء سري" 2002، و"قاطع طريق" 2012

مقالات أخرى للكاتب