ثلاث قصائد | محمد دريوس

العدد 171 | 19 نيسان 2015

معاطف في آب

 

لي أحباء

كما للآخرين وظائف نهارية

أو بالونات ملونة، تنفجرُ عندما لا يتوقع أحد

وأحبّهم ببعض طاقتي

وأحيانا بضعفها

 

وهم

يجتمعون في متأخر وقت

ليطيّروا محبتي من النوافذ

ويجعلونها تسقط على زجاج مكسّر

ويضحكون.

 

فقد كنت ألقي بنفسي، مرّات بين هامشيين

يمرّرون الليل بعبارات أخّاذة

وتمطر فوق قلوبهم

سحابات فراش أسود

وكانوا يربطون في الأروقة للفجر لينخفض

ويرجون الليل أن يطول فيتسع

أو أن يتسع فيشفّ

وكنت أختلف عنهم

بعبارة أن المشقة وردة صفراء

وأن الزمان

عدد الرصاصات في التفاحة

أو

أن الأحدَ ظهيرةُ السبت

والحبَّ دمارٌ مجفّف يناسب ذوي القلوب الضعيفة

وغير ذلك

وبالطبع

كانوا يختلفون عني

بأشياء ليست عديدة لكنها هامة

وأشياء ليست هامّة لكنها جارحة

أشياء

تستطيع تحويل بيتي ركاماً

وكلماتي

رماداً مسفوحاً.

 

وكانوا يظهرون فجأة، في أحلامي

بمعاطف شتوية في آب

وكوفيات ملونة

ويطيرون محبتي من النوافذ

ويضحكون.

 

يضحكون

كانوا يضحكون.

 

وكانوا يتحدثون إلي بكؤوس الصيف

وأتحدّثُ اليهم

بريبة الخائن.

***


عناوين في الحرب

في الطريق إليها

قرأنا الكثيرَ من الكتب السميكة

لكننا

لم نعرف شيئاً عن الحرب.

 

الغربانُ تنحدرُ، بأجراسِ الظهيرة النارية

والموتى المتململون

يصغون بسأمٍ

ويتقلّبون على أسطحِ المدينة المعتمة

موزّعين نظراتهم الباردة

على الباحات المغلقة.

 

قرأنا كثيراً

كتباً هامة، رسائل ماجستير

وشاهدنا صوراً وثائقية

وكتبنا بدورنا

كتباً هامة وسميكة، وصنعنا صوراً

وتقارير مؤلمة

لكننا

لم نعرف شيئاً، عن الحرب، بعد.

 

تقولُ المزارعةُ العجوز وهي تعدّل قيافتها الفائتة:

الحربُ 

تنحدرُ من قبائل همجية، شرق البلاد أو غربها 

لم أعدْ أذكر

لكني أتذكّر

أنفاسَ القساة إذ يمرّون

وأشمّ

فوحةَ خوفهم

وأرى كيف ينفرطون على ثمار القرى

وكيف

تأن أعمارهم

كلما ارتفع النداء.

 

الحربُ، يقولُ باحثٌ

جماعةٌ سريةٌ تنشطُ ضدَّ مصانعِ الكيماويات

لكنها

تستعملها أحياناً

إذا أُحرجتْ.

 

الحربُ،

تقولُ الجارةُ ذات الشعر الأجعد:

تعني

أن تستيقظَ بأطرافٍ خدرة

في سريرٍ بارد

أن تعزقَ الحقل وتطعمَ الماشية

ثمّ

تحيكَ ثياباً صوفية لأحفادٍ لنْ تراهم.

 

لا حربَ نظيفة

: تقولُ المزارعةُ العجوز

الحربُ قذرة، كلُّ الحروبِ قذرة

مثل فأس حفّارِ القبور.

 

لا نحتاجُ رصاصاً

يعلمنا كيفَ نموتُ على غبشِ البيادر

في أحضان أخوتنا 

نحتاجُ أنْ ندفنَ

على مقربةٍ من بيوتنا، بيوتِ الله

لنسمعَ

حنانه العالي

ونسعد.

 

لا نحتاجُ حرباً

تخبرنا أيّ شيء عن الربّ والأنبياء.

 

لمْ نعرف شيئاً عن الحربِ (أي حرب)

إذ

لا شيء يُعرف

عن استدارات الجنودِ نحو اليمين (دائما نحو اليمين)

ولا عن الأوسمةِ الفاسدة

والعطبِ الذي يتذهّبُ 

في التلفاز.

 

ربما

لنْ

نحتاجَ

أنْ نعرفَ حتى

ربما

لن ننتبه أنّا عرفنا.

***

 

سموت الهاربين

 

الهاربُ الأول

والهاربُ الثاني والثالثُ المتردّدُ

يتهيؤون للمسير، تحت ليلٍ يترنح

إلى حيث

لا يبصرهم الوطنيون القساة

ولا يُعثر لهم على طوية.

 

كنتُ 

ألمحُ، من مكمني، في الحفرة الباردة

الأطيافَ الشاحبة

كنتُ

أرى، أعمارهم ترجرجُ

وأرواحهم تندى

والهاربُ الرابعُ

ينتظرُ في عربةٍ بلا أضواء

المغامرُ

الذي سيصعدُ منحدرات خطرة

ويعبرُ بهم حدوداً شائكة

بين أنفاسِ القرى المطمورة

ويقظةِ الأسلحة الحديثة.

 

كنتُ

أرى، من قبري الصغير

غدَهم

ينتهي إلى صقيعٍ 

وهم 

يهزّون السائقَ الشجاعَ من كتفيه

وينادونه 

بـأسماءٍ ليستْ له

أسماءٍ اختلقوها للتوّ

لكنه

لا يستجيب، إذ أنَّ السائق

الميتَ، ليسَ له اسمٌ مناسب

ليس 

له 

اسمٌ كافٍ.

 

السائقُ الميتُ

يقودُ إلى طريقٍ مسدود.

__________________________________

شاعر من سورية صدر له: "خَطُّ صوتٍ منفلش" 2008، و"ثلم في تفاحة طافية" 2010،  و"التتمات وتفسير الربع الأول من السيرة الناقصة للأخير" 2014

الصورة من أعمال الفوتوغرافي الإيطالي أمبرتو فيردوليفا Umberto Verdoliva

*****

خاص بأوكسجين

شاعر من سورية صدر له: "خَطُّ صوتٍ منفلش" 2008، و"ثلم في تفاحة طافية" 2010، و"التتمات وتفسير الربع الأول من السيرة الناقصة للأخير" 2014، "لا شيء مسلّ في الحرب" 2015....