توظيف
العدد 237 | 05 تشرين الثاني 2018
قصي اللبدي


أول ما سمعه منها، بعدما أخبرها بأن اسمه لوط، وأنه يحمل لها توصية من ابنة عمه، كان إطراء على قميصه الأبيض، ذي الكمين الطويلين، المطويين عند منتصف المرفق. 

زمت عبلة شفتيها المكتنزتين، الصغيرتين، وهزت رأسها قائلة إن عايدة تعرف أن الأبيض هو لونها المفضل، إلا أنها كانت عاجزة عن المحافظة عليه ناصعا. وأردفت ضاحكة إنها لا تتذكر عدد المرات التي اضطرت فيها للعودة الى المنزل لاختيار قميص آخر، لأنها اكتشفت وجود بقعة على قميصها. ولم يعرف الشاب، الذي يقف أمامها متأبطا مغلفا ورقيا، سبيلا لمجاراتها، سوى أن يسألها عن معنى اسمها.

معناه!

أصدرت صوتا داخليا قصيرا، وضيقت عينيها، ثم أجابت:

–       “المهيمنة، أووو اللئيمة، أووو الحاقدة..”.

ونظر إليها الشاب بعينين جامدتين، فأطلقت ضحكة قصيرة، كأنها تقول: “هيه، أنا أمازحك”. 

ثم أردفت:

–       معناه.. الممتلئة الجسم.

وسألته وهما يغادران صالة الاستقبال نحو مكتبها عن الوقت الذي قضاه في انتظارها، لأنها لم تكن تعلم أنه سيكون موجودا هنا، فقال إنه وصل للتو. 

اجتازا بابا جانبيا ينفتح على ساحة مشمسة، تجمّع فيها أربعة مدخنين يرتدون زيا موحدا، يميز موظفي الاستقبال. حيتهم بإيماءة سريعة من رأسها، من دون أن تتوقف عن الكلام: 

–  أنا مستغربة من الأخت.

قالت كأنها تخاطب نفسها. وبنبرة أخرى:

–       .. لمَ لم تتصل؟ 

دفعت بباطن يدها بابا، وتخللته. وشعر الشاب بعبارتها تخترق جلده، لكنه تلقف الباب وأعاده إلى مكانه، برفق، ثم واصل ملاحقتها، من دون أن يعلق.

ترتدي عبلة بنطال جينز مجسما، ذا مزق عند أعلى الركبة تطل منها قطع لحم شديدة البياض، وتي شيرت برتقاليا بذراعين قصيرين جدا، وتحتذي بوطا رياضيا ماركة أديداس، بخطوط برتقالية على الجانبين، ويلف خاصرتها حزام جلدي رقيق، مجدل، وتضع على كتفها حقيبة لابتوب.

أزاحت ستارة النافذة الوحيدة في المكان، فانبثق الضوء لامعا على سطح مكتبها الزجاجي، ثم فتحت النافذة، فاندفعت عبرها نسمات صباحية باردة، طيرت خصلة من شعرها الأسود.

رغما عنه، انزلقت عينا الشاب نحو مؤخرتها. بدت له لينة ومتماسكة في الآن ذاته، صلبة ولدنة، مثل قالب الكراميل. وشعر برغبة في جسها، فمد راحة يد من مخيلته، ومررها فوقها بأناة.
– اسمح لي: بنت عمك هذه..

توقفت عند منتصف العبارة وحركت أصابع يدها قريبا من أذنها، كأنها تدير بكرة، ثم وضعت الحقيبة جانبا، وأعادت خصلة شعرها إلى مكانها، وقرت في كرسيها ضاحكة.

–       نسكافيه؟

أومأ لها أن نعم.

وتخللت النافذة دفقة جديدة من الهواء، فأصدرت الفتاة صوت القشعريرة. وقالت، وهي تتحسس ذراعيها، إنها تمقت برد الصيف بشدة.

رفعت سماعة الهاتف، وطلبت كوبين من النسكافيه، موصية محدثها في الجانب المقابل بأن يستخدم الكريما خاصتها. ولاحظت أثناء ذلك كيف ترك ضيفها نظرته تنزلق على ذراعها. وفكرت في أنها تمتلك ذراعين عريضتين إلى درجة أنه لا يمكن تجاهلهما.

وضع أمامها ثلاث أوراق مثبتة من الزاوية، أخرجها من المغلف الورقي الذي انزلق من تحت إبطه قبل ثوان واستلقى على ركبتيه، فزمت شفتيها الشبيهتين بثمرة الفراولة، وراحت تتفحصها بصمت، كأنها تستعرض قائمة طعام.

كان قالب الكراميل لا يزال يملأ مخيلته، صلبا ولدنا، كأنه موجود هناك منذ الأزل. وكلما حاول إزاحته عادت هيئته الهلامية لتضغط على حواسه بقوة أكبر.  

قالت إنها ستفعل كل شيء لمساعدته في الحصول على الوظيفة، لكن عليه أن يدرك أن عبلة لا توظف إلا أشخاصا مميزين.

عليك أن تثبت نفسك.

قالت ذلك كأنها تعلن تحديا، ودلف إلى الداخل رجل خمسيني قصير، حاملا صينية نحاسية. وضع كوبي نسكافيه على جانب المكتب، وغادر المكان. راقب الشاب مضيفته وهي تراقب الرجل. ظلت عيناها مصوبتين نحوه بثبات إلى أن توارى. عندها فقط، زايلت كرسيها، متجهة الى النافذة وأحكمت إغلاقها. ولاحظ الشاب، الآن، أن البنطال الذي ترتديه بلا جيوب خلفية. ورجح أن يكون هذا تحديدا، ما منح مؤخرتها الاستدارة النموذجية.

*****

خاص بأوكسجين


شاعر وصحافي من الأردن. من مؤلفاته: "ليكن لي اسمك"" 2011 و""فرد في العائلة"" .2014"