تأملات في غياب المباهج 2 -2 | محمد العرادي

العدد 231 | 20 أيار 2018

تأثير الجوع على عقل شاب يندس تحت طاولة المقهى ويتحدث: 

مِن هذا القبو الرطب، من هذا القبو المتهالك ذو الرائحة الخانقة والهواء المتعفن. من هذا القبو المستأجر المليء بأنواع غريبة من الحشرات الميتة، ومن هذا القبو الذي تقشرت أصباغ جدرانه كما يتقشر جلد حيوان زاحف، من هذا القبو المتفحم الذي اُستخدم من قبل لتخزين أكياس البصل. من هذا القبو العفن والمريض، نعم المريض، من هذا القبو المرحاضي، بإضاءته الضعيفة، وسقفه المنخفض، بمصباح واحد، مصباح واحد يتأرجح في أعلاه. وأوراق قليلة، يمكن عدها، بملابس متسخة وقديمة، وهذا غير مهم. بعجز عن توفير الطعام الكافي، وهذا سيئ. وبعد طردي من العمل في المكتبة العامة، لأنهم اكتشفوا أني أنام بها بعد أن ينتهي العمل. من هذا القبو، وبعد أن بلعت بعض الطعام وصار في معدتي  خليط من الحليب الدافئ والبطاطس المهروسة والماء، وهذا يكفي لتنشيط الذهن لهذه الليلة. من هذا القبو أريد أن أكتب لكم أنتم  عن السعادة، لا تضحكوا. وأرجو أن تُظهروا لي بعض الاحترام. على أي حال لن أخبركم من أنا، حتى لا يستغل أحدكم شيئاً ضدي. ولذلك لن يكون لاحترامكم أهمية. وهذا واضح. في الحقيقة لا أدري ماهي السعادة، لكن في الحقيقة أيضاً لست مهتماً أن أعرف ما هي السعادة، ولا يهمني إن كانت مجرد عملية فسيولوجية من تلك العمليات التي تقوم بها الهرمونات والنواقل العصبية وتلك الأشياء غير المفهومة، أم كانت شعوراً نفسياً ينبعث من اللاوعي أو من أي مكان آخر. إن الجوهري في موضوع السعادة، وهذا ما سيجعل ما أقوله أساسيا في كل حديث قادم عن السعادة، حتى بعد عشرات السنوات.  ربما أكون مبالغاً، لكن  بكل صراحة أنا أعتقد أني إنسان عظيم وليس من أوجه عظمة في شخصيتي كما ترون إلا هذا الكلام الذي أقوله وتلك الأوراق التي أكتبها. على أي حال لا أريد أن أتفرع في أمور تافهة. أقول أن الجوهري في موضوع السعادة اكتشافي – وهو اكتشاف ليس لأحد فضل فيه جاء بعد أن طردت من العمل ولم أجد مكاناً للنوم وبعد جلسات طويلة في الحمام، تعرفون تلك الأفكار العظيمة التي تأتي أثناء اخراج مالا تريده المعدة من خليط الحليب الدافئ والبطاطس المهروسة وقشر الطماطم العائمة في المعدة فوق الحليب، على أي حال هذا غير مهم – اكتشافي للترابط الحتمي بين السعادة وتحقق الإرادة. لا تستعجل وتسخر من صياغة العبارة، أنا كما ترى أعمل في حدود ضيقة ولو كنت في وضع أحسن من هذا  لكنت رجلاً محترما ولقال الجميع يا لهذا العبقري، وسجدوا أمام هذه الصياغة نفسها التي تسخر منها. إن السعادة مرتبطة كما أقول لكم ارتباطاً حتمياً بتحقق الإرادة، وهذا يعني أني فهمت كيف تحدث السعادة التي لا أعرف طبيعتها. حسناً، إذا قبلتم مني هذه الإضافة العظيمة التي سوف تغير مسار العلوم الاجتماعية سوف أتوسع في بحث هذا الأمر، إلا أن مثل هذا البحث يحتاج لذهن متقد، والذهن حتى يتقد يحتاج للطعام الذي يمده بالطاقة. أرجو ألا يفهم أحدكم أني أطلب الطعام مقابل ما أقول، أرجوكم لا تفكروا بهذه الطريقة المستفزة. على أي حال لن نتوسع في الكلام عن المواضيع غير المهمة. حسناً، حينما يريد الإنسان شيئاً – مهما كان عظيماً أو حقيراً شريراً أو خيراً – يفعل الإنسان ما يحقق هذه الإرادة، وللأسف فإن الإنسان مع هذه النزعة الاستهلاكية راكم رغبات أكثر من إمكانية هذا العالم، أنا لست من هؤلاء الذين ينجرفون خلف رغباتهم، وقد اخترت أو أُجبرت بسبب هذه الظروف التي ترونها أن أرجئ كل الرغبات التي تندفع في ذهني دون أن أعرف مصدرها اللاعقلاني، إلا تلك الرغبات التي لا أستطيع إرجاءها مثل الأكل النوم الذهاب للحمام والتفكير بالطبع. حسناً، حينما يجد الإنسان أن رغبةً جاءت لذهنه من مكان لا يعرفه – وليست رغبات الإنسان كلها عقلانية أرجوكم لا تفكروا بهذه الطريقة السطحية – يبدأ بالقيام بالأفعال التي تقربه من تحقيق هذه الرغبة فإن تحققت شعر الإنسان بمستوى معين من السعادة، سعادة لها مدى محدد من القوة في شعوره وفي امتدادها الزمني، بحسب تعلق الإنسان بتلك الرغبة، وإن لم تتحقق شعر الإنسان بحزن ما.  حسناً، يمكن أن يقول شخص يفكر بطريقة معاكسة لماذا نحزن حينما يموت أحد الذين نحبهم، وأنا فكرت بهذا الأمر، بعد أن شربت كأس حليب وبلعت بعض البطاطس المهروسة التي لم يعجبني طعمها كثيراً. نحزن لأننا نريد بقاءهم ومع موتهم يستحيل تحقق هذه الإرادة، وإدراكنا لهذه الاستحالة هو ما يدفعنا للبكاء ويراكم الحزن على قلوبنا. لكن وأنا أسمع خرفشة الفئران خلف الجدران الخشبية المتقشرة أقول لكم  إني أحتاج لتوضيح بعض الأمور، حتى لا يظن أحدكم أن لا فائدة مما قلته لكم. رغبات الإنسان ليست بهذه البساطة، أقصد أنها معقدة ومركبة. حينما يكون شعب ما تحت الاحتلال الأجنبي تتولد في عموم الشعب رغبة بتحرير الوطن، هذا الرغبة التحررية تتعارض مع رغبة المحتل بالبقاء والهيمنة. ولأن طبيعة وجودنا لا تسمح بتحقق رغبتين متعارضتين في زمان ومكان واحد سوف يقع صراع بين الطرفين لتتحقق إرادة الأقوى منهما. وحينما لا تتحقق إرادة الشعب المحتل ينتشر شعور عام بالحزن بمستويات مختلفة، ليس حزناً خالصاً لأن الإنسان معقد على أي حال وقد يشعر الشعب المحتل بالسعادة حينما تتحقق إرادته في وقائع أخرى على الأقل حينما ينتصر فريق كرة القدم القومي وهكذا. يبدو أنني بدأت أقول كلاماً غير متسق، هل تفهمون قصدي. في الحقيقة أنا أشعر بالتعب والتشويش. الذي أردت أن أقوله على أي حال أن الحزن في هذا الوجود حتمي ولا يمكن الفرار منه، لأن الإنسان راكم رغبات أعلى من موارد هذا العالم، ولأن الإنسان محدود القدرة وضئيل وغير قادر على تحقيق كل الرغبات، وحتى إن كانت موارد العالم تفي بالغرض وكان الإنسان قادراً فإن الرغبات الإنسانية متعارضة ويتعذر أن تتحقق كل تلك الرغبات. لذلك إذا وجد فردوس في هذا العالم أو في أي مكان آخر من الكون سوف يكون غير محدود بطريقة غير منطقية وخيالية، يسمح بتحقق كل الرغبات المتناقضة. وإلا سوف يكون فردوساً حزينا مثل هذا العالم. الحق أقول لكم من هذا القبو عديم الإنسانية.

 

ما الذي يتغير حينما يُقتل السيد ع بسكين باردة :

نادت السيدة التي تمر بهدوء على ابنها ليدخلا المحل الذي تقف قربه، كانت رائحتها مثل رائحة الدراق المطهي. تذكرتُ أياماً قديمة. رفع البائع في المحل صندوقاً خشبيا ونادى شخصاً آخر أطول منه كان معه في المحل. دخلت المرأة بعد ابنها الصغير، رأت الرجل الذي أكل كستناء مسلوقة البارحة وهو يحمل الصندوق والرجل الآخر يساعده، انتبهت لتعرق قميص الرجل. كنتُ قد تجاوزت المحل بخمسة عشر متراً. توقفت بجوار نزل معروف لا نريد ذكر اسمه يقصده  العمال والمومسات اللاتي يتزين بتكلف وبهرجة كما لو كن سيدات أرستقراطيات. ابتسم لي رجل ضعيف البنية ولم أنتبه، يقولون إنه يعمل لصالح رئيس البلدية ولا أدري ما معنى هذا. مر رجل حقير أمام المحل، يرتدي قميصا زيتيا قبيحا، وبعض خيوطه منفكه. شعر حاجبه متطاير، كان قد جُلد منذ فترة لأنه يعمل في تهريب الملح.  قالت السيدة التي كانت خائفة مما سمعته من أخبار مبالغٌ بها عن أعمال عنف وقتل موظفي الضرائب في الريف: مرحبا، هل السيد جوزيف موجود، قال لي قد يكون موجودا الساعة الثامنة. قطعت الشارع  من خلف عربة نقل البريد – التي انبعثت منها رائحة روث الخيل –  قاصدا المحل الذي يبيع كل شيء. لما دخلت المحل كانت رائحة الأثريات القديمة كثيفة. قال الرجل الذي أكل كستناء مسلوقة البارحة: السيد جوزيف لم يأت بعد، ثم صمت. قرب لي السيد في المحل الذي يبيع كل شيء كرسيا خشبيا وقال: تفضل. ولا أدري هل هذا أدب منه أم أنه يشعر بالملل. قال لي هل سمعت بالذي يجري، يا للهمج. قلت له بتأثر: نعم، يا للهمج، لكن لم آتِ لهذا، قطعت حديثنا الجلبة التي تحدث في الشارع، تسارع الناس للاقتراب من بقعة الدم التي سقط فوقها الرجل السمين، نظر البائع إلى الشارع وقال: لابد أن مشاجرة وقعت. خرجنا وفي الحقيقة كنت سعيداً لوجود ما أتسلى به. كان البائع يشتم الأعمال الهمجية التي انتشرت في صفوف الشعب، ولما اقتربنا من زحمة المتجمهرين أطبق عليه خرس المريض العقلي. سمعت المرأة التي جاءت من الريف لتعمل مرضعة عند أسرة من النبلاء تقول وهي تنظر مفجوعة لما يجري: يا مريم العذراء. ورسمت علامة الصليب. قال الشاب المتحمس الذي أدمن لعب الورق والاقتراض وهو يضرب بقدمه قدم المقتول السمين: لقد قتلوه، هذا مؤكد. الرجل ذو الأسنان المتآكلة قال وهو نصف سكران: لم يمت لم يمت، شمموه النقود وسوف يرفس بقدميه حتى ينهض. الرجل الذي نال لقب النبالة حديثا قال بخوف أيها الملاعين. لم يكن الأمر مسلياً، ولا يثير الضحك. رؤية الرجل الميت ودمه القاتم مرعبة. رائحة الدم تختلط برائحة شعر النساء القريبات والجلود المدبوغة والروث والرائحة المميزة لعمال تنظيف المداخن ورائحة الممرضات اللاتي يعالجن مرضى الديزنتاريا. حلت امرأة شالها عن رأسها وغطت به وجه السيد الصريع. أردت أن أعود لشقتي وأنام، تملكني الثقل والصمت، ما الذي يراه الآن؟ هل يدري أنه ميت، هل يشعر بالألم أو بالإهانة. مشيت مثل الذي نسي نفسه، لا أدري. لقد مات المئات، ولم أرَ أيا منهم، الآن هذا هو الموت طازجا، لقد كان هنا منذ لحظات، هذا الموت الأبدي، هل صار شيخاً هرماً الآن؟ وتخيلت الموت مثل شيخ كبير يجلس منتظراً على قمة جبل، بيده عصا غليظة. قال لي الرجل: هي، ألا تنتبه. تحرك في أعماق روحي خوف قديم، منذ الإنسان الأول، خوف من إدراك أني لن أكون خالداً في هذا العالم.

كان من ضمن المتجمهرين حول المقتول – وهذا غريب – السيد الكلب، كنت أظن فيما سبق أنه سيتصرف على طبيعته ويبتعد عن هذه التجمعات الغوغائية. تجمع لا يليق بسيد. وكما سمعت أنه كان موجودا من قبل أن تقع الحادثة البشعة، وسمعت أيضاً أنه شاهد كل ما حدث منذ البداية. وأذكر قصته من بين كل المتجمهرين لأنها سارت في مسار غريب، لا يخلو من الافتعال والمبالغة بظني. لأن عنقه – بسبب صعود قوة جديدة بعد تلك الاضطرابات التي وقعت –  في النهاية سوف توضع تحت المقصلة، وسوف تتدحرج رأسه في الوحل، وحينها سيغمض عينيه ويقول: آه ما هذا. ولن يجد أحداً في كل هذا العالم يساعده على كل شيء ويحمله في كل مكان، أقصد يحمل رأسه ويمسح عينيه إذا لزم الأمر ويحك أنفه ويقرب له الأكل الذي لا ندري أين يذهب، وكل تلك الأمور التي تحتاجها رأس السيد الكلب، لن يجد لكل هذا سوى خادمه الذي ظل يخدمه دون أن يأخذ منه أجرا، بطبيعة الحال لا يمكن أن تأخذ أي شيء من رأس مقطوعة. كان السيد الكلب – قبل أن يصير رأس كلب فقط – في القرب يعمل على إتمام اتفاق حول بيع مزرعة في الريف، كان مرتاحا لأن الأمور تمضي كما يحب. انتبه من مكان جلوسه لرجل قلق يدفع رجلاً نحيلاً أخرقاً، يغطي جانبي وجهه بياقة المعطف. رأى اليدين تتدافع، ولم يسمع ما يقال، ارتبك وأحس بورطة ما لما رأى السكين بيد الأخرق النحيل، حرك يده بلا شعور يريد منع الأخرق، وقف في مكانه وصرخ: ابتعد .. ابتعد. قام كل من في المقهى حتى الذين لم ينتبهوا إلا بعد صراخ السيد الكلب. قال النادل: سكارى آخرين. تجمهر الكثير حول الرجل الذي سقط على الأرض بعد أن فر الشاب النحيل الأخرق. قال السيد الكلب: لعله لم يمت، ألا يوجد طبيب هنا .. ابتعدوا قليلا. منذ تلك اللحظة القبيحة، لحظة قتل سيد محترم يتمتع بحياة جيدة، وإن كانت في الحدود الدنيا، منذ تلك اللحظة تملكت السيد الكلب حالة من الغرابة وعدم الفهم وسكنته فكرة غير مكتملة عن الانقطاع المفاجئ للمباهج. قال للحوذي وهو عائد إلى البيت: أسرع.

كان السيد ع الذي سوف يقتل بعد قليل يشعر بالضيق حين همّ يالخروج، وازداد ضيقه لما انتبه لتعرق ابطيه. مد يده لجيب الجاكيت الداخلي وأخرج منديلا ومسح جبهته. قال يكفي هذا لقد تأخرت. في الشارع تداخلت أمامه الحركة والثبات، الصوت والصمت، مرت أمامه امرأة مسرعة كانت منشغلة ولم تره. الرجل الذي عدل بنطاله على الرصيف الآخر قال: لن أقبل. الطفل الذي خرج من الزقاق ركض مسرعاً واختفى في زقاق آخر. اصطدم به شاب، نظر إليه بصمت. انتبه السيد ع وقال فاتحاً كف يده اليمنى: ألا تنتبه أيها الوقح. قبض كف يده وأراد أن يلكمه بقوة. قال الشاب بغيظ تاريخي: هذه لك يا مجرم. رأى السيد ع السكين في يد الشاب، ارتبك، وشعر بتعرق ابطيه. اظفار يد الشاب المتسخة، صورة مشوهة للشارع على سطح السكين البارد الأملس. تراجع للخلف، برجاء ذليل قال: لماذا، لماذا. كل شيء ثقيل وغير واضح مثل تمثال سوريالي صخري. صوت انغراس السكين في لحم البطن. البرودة في حد السكين، انفجارات الشعيرات الدموية. صوت حاد وبطيء. أحس برعشة التوتر في قبضة الشاب، دفء الدم على القميص. طعم الدم في فمه. الغيظ التاريخي. صرخة المرأة التي تمر منشغلة، وضعت يدها على فمها وهي تفكر لو أن أحداً قد يطعن ابنها بسكين. الألم الحاد الذي أصاب ساقي السيد ع بالضعف. انغرست السكين مرة أخرى. رائحة تعرق الشاب الهائج الذي لم ينتبه إلا بعد الطعنة الخامسة. اجتاحه خوف رهيب، وتمنى لو أنه الآن مختبئ تحت أرضية كوخ مهجور. سقط السيد ع. وحل من الدم الثخين غطى الأرض تحته. لا شيء يتحرك إلا بعض الحركات اللاإرادية من عضلة الساق والجفن. خدر ما قبل النوم، خدر يسري بلطف في كل الجسم، ألم حاد كما لو أن صاعقة من السماء أصابته. صار جسمه أبرد من سطح السكين، قال برجاء: ما هذا؟ ومات للأبد.

 

غرائبية حديث رأس كلب قُطع تحت المقصلة:  

السماء تمطر مطراً  كثيفاً،  الصوت يأتي خافتاً داخل المقهى، لكنه يصل. التناقض بين الظلمة الكثيفة وبرك الماء في الخارج والإضاءة الدافئة في الداخل أشاع في الجالسين شعوراً بالرضى والاطمئنان. الإمتزاج بين روائح الأكل المختلفة ورائحة الخشب والمشروبات والعطورات النسائية، يا لهذه الذكريات. حسنا، وهل تأتي الذكريات الطيبة إلا حينما نشم العطور النسائية؟ في المقهى، أصوات الضحك والكلام البذيء والشعر الغزلي احتكاك أرجل الكراسي بالأرضية، الملاعق بالصحون، صرير فصالات الباب، المرأة التي تتحسس شحمة أذنها. نقاش حول كروية الأرض بين ثلاثة رجال وامرأة متحمسة، النداء المتكرر للنادل. في المقهى على أي حال جرائد مكومة من الأمس.  كان الرجل الذي يعيش في القبو يجلس بحذر، ويتمنى لو أمكنه أن يندس تحت الطاولة. لم يكن لوحده، على هذه الطاولة جلس معه السيد ع الذي قُتل في أيام بعيدة، وبجواره جلست المرأة التي تعيش في مدينة مزدحمة ولا أدري ماذا أقول أيضا، وهذا غريب، إذ كيف سُمح لهذه المرأة أن تجلس في مكان مثل هذا مع هؤلاء الرجال. وبجوار الرجل الذي يعيش في القبو جلس الشاب الذي ينظر إلى الخلخال. وعلى الطاولة جلس السيد الكلب، أقصد وضع الخادم الذي ظل يعمل دون مقابل رأس السيد الكلب على الطاولة. وقال له: سيدي، سيدي، إن اللسان الذي في فمي يؤلمني لذلك لن أتكلم كثيراً إن سمحت لي، لأن الكلام يحتاج لأن أحرك اللسان الذي في فمي – وفتح فمه ومد لسانه لأقصاه – وعندما يتحرك سوف يتعب وهـ… قال له السيد الكلب أقصد رأس السيد الكلب قالت: يلعنك الله اصمت. حسنا، في المقهى جلس هؤلاء. الشاب الذي نظر إلى الخلخال حينما كان يجلس على كرسي أبيض قال: لقد رأيتك قبل الآن، أنت تشبيهين شيت… قال السيد ع  الذي قتل: هيا .. هيا. وفتح يديه ملوحاً: هيا .. هيا، لنعوض أيامنا. المرأة المتحمسة التي كانت تناقش كروية الأرض قالت بصوت فاضح: أنتما تريدان أن تدفعا لي أليس كذلك. قال السيد ع : لنفعل كل شيء لكن أرجوكم لا تتقاتلوا وضحك .. المرأة التي تعيش في مدينة مزدحمة قالت: لا فائدة أيضاً. وشعرت بالخجل من أنها لن تدفع معهم الفاتورة. زوجة النادل تعمل بجد هذا أمر حقيقي يمكن ملاحظته. رجل القبو فكر في أنه لو تمكن من تسجيل كل الكلام الذي يقال حتى ذلك الكلام الخافت بين سيد ورجل في آخر المقهى لتمكن من كتابة مقال عن طبيعة المقاهي ومرتاديها. السيد ع تكلم عن سبب تجمعهم هنا بكلام ممل وغير محدد المعنى. حك أنفه وقال: أحييكم جميعاً الأموات منكم والأحياء. قال السيد الكلب وهو يشعر أنهم يتجاهلونه لأنه في النهاية مجرد رأس: إن سمحتم لي، إن تجربتي لها حساسية عالية لأني في كل الأحوال لن أموت ثانية، في الحقيقة هذا مهين للإنسان الذي يملك روحاً. أنت يا سيد ع ميت أيضاً، وأرى أن هذا خطأ واضح، هذا يصيبني باليأس – بدأ صوته يرتبك ويأخذ بالتراخي – هل تعلمون ما الذي سوف يحل بي حينما يموت هذا الخادم الملعون؟ سوف يلقون بي في الوحل، وربما أسقط على جانبي فتكون عيني في الوحل لا ترى شيئاً والأخرى تنظر إلى السماء، هكذا لمئات السنيــ… قال الخادم: سيدي .. سيدي حتى حينما أموت سوف أقوم من بين الأموات لخدمتك، لكن عليك أن تنتظرني يومين أو ثلاثة ربما لن أستطيع أن أقوم من بين الأموات بعد الموت مباشرة، وإن استطعت لن أتأخر، لن أقول أين الماء، لابد أن العطش سوف يهلكني في القبر ، بل سأقول لأذهب لسيدي الـ… قال له السيد الكلب: اصمت يلعنك الله. الشاب الذي ينظر إلى الخلخال لا يتكلم، ينظر بعيداً بحزن. قالت المرأة التي تعيش في مدينة مزدحمة في نفسها، من أين يأتون بهذه الطمأنينة وهم لا يملكون المال. قال خادم السيد الكلب: سيدي إني كما قلت لك أريد أن أصمت لأن اللسان الذي في فمي يؤلمني إلا أنه يجب أن أتكلم حينما تحتاجني والآن سوف أصمت لأنك طلبت مني الصمت وأنا كما تعلــ.. قال له السيد الكلب: يا ملعون قرب يدك من فمي. قال الخادم: بأمرك يا سيدي، هل أقربها حتى تلامس أسنانك أم أجعلها  – ومد يده حتى لامست أسنان السيد الكلب – قال السيد ع في تلك اللحظة: لا بد أنك تريد أن تعضه، هيا .. هيا عضه عضة كلب حقيقي اجعل عينيه تخرجان من محجريهما وضرب كفيه ببعضهما وضحك. أطبق السيد الكلب أسنانه بحقد على يد الخادم للحظات. قال الخادم: سيدي إنك تؤلمني – وسحب يده بعيداً – قال السيد ع وهو يضحك: كررها كررها، لو أطبقت على يده لوقت أطول لوقف شعر رأسه، إن في غباء هذا الخادم لنعمة، لكن أرجوكم لا تتقاتلا ولتكن الأمور في هذا الحد. رجل القبو استغل هذه الفرصة وانسحب ليندس تحت الطاولة. قال الخادم: لا بد يا سدي أنك فعلت هذا عامداً، لقد ذهب الألم الذي في اللسان، أنظر لا أشعر بالألم في اللسان – ومد لسانه المغطى بطبقة بيضاء – لكن الألم صار الآن في يدي، انظر يا سيدي إن الدم بدأ يخرج، لابد أن هذا بسبب عضتك يا سيدي، ولو بينت لي الأمر لطلبت منك أن تسمح لي بعض نفسي بشدة وترتاح أنـــ.. قالت المرأة بخوف: لماذا تتحدث هكذا هل أنت مريض. قال السيد ع موجهاً كلامه للشاب الذي نظر إلى الخلخال: أراك لا تشاركنا، هل أنت حزين؟ قال الخادم: هل أنا مريض يا سيدي؟ لأني حينما استيقظت في الصباح شعرت ببعض التوعك لكني لم أكن مريضاً، وها أنا أستطيع أن أقفز أمامكم بكل قوة – وقفز عدة قفزات متتابعة. الشاب الذي نظر إلى الخلخال لم يكن متأكداً إن كان هو المقصود بكلام السيد ع أم لا، قال: آه هل تكلمني يا سيد؟ قال السيد ع: نعم .. نعم. تبدو لي حزينا، لابد أن تجرب بعض الأمور وسوف تجد أنك تفوت الفرصة على نفسك. قال الشاب الخلخال: إن نفسي فارغة يا سيد، ولا أدري ما فائدة كل هذا، وكما يقول السيد الذي تحت الطاولة كيف أكون سعيداً وما أريده لن يتحقق أبداً. فكرت المرأة المزدحمة أنهم يتصرفون أمامها  بوقاحة وكأنها ليست موجودة وقالت: ما الذي يفعله الأولاد الآن. قال رجل القبو من تحت الطاولة: لابد من وجود مكان ما غير محدود ويسمح بتحقق الرغبات المتناقضة، وهذا هو المكان الذي يجب ثم سكت وقال إنه الفردوس الأبدي. قالت زوجة النادل لزوجها كلاماً لم أسمعه. رد السيد الكلب: إني وفي الحقيقة أختلف مع هذا الكلام الذي ينبعث من تحت الطاولة، ومن تجربتي ذات الحساسية الواضحة حيث أنني مجرد رأس عالقة في زمان بين الحياة الطبيعية و الموت. إن العدم هو المكان الجيد، انظر لي الآن لو ذهبت إلى العدم بعد أن قطعت رأسي، لما شعرت بشيء، ولن احتاج لمثل هذا الخادم الملعون كما ترى. لأن مكاناً مثل هذا الذي تقول إن كل شيء فيه يتحقق حتى الأشياء المتناقضة غير موجود، وكيف تتحقق الأشياء المتنـ.. قال السيد ع: يا لهذه النقاشات الغريبة، إنكم تثيرون غضبي. لماذا لا تبتهجون وتجربون الأمور كيفما كانت الحياة. ها أنا قد قُتلت إلا أني لم أفقد تلك النزعة القديمة تجاه العاهرات، يا الهي ما اجملهن وضحك. قال السيد القبو من تحت الطاولة: لم تفهم، إن هذا الفردوس لابد أن يكون موجوداً، ثم كيف تتأكد أن العدم موجود أصلاً؟ قال الخادم: سيدي .. سيدي إن الدم في يدي لم يتوقف انظر، وربما سوف أموت بسبب خروج هذا الدم، أو ربما أشعر بالدوار، وإذا سقطت في الأرض وتمددت دون قدرة على الحركة سيذهب الجميع لمنازلهم وتبقى أنت هنا فوق الطاولة لا تجد من يحملك، وأنا أعرف أنك لا تحب البقاء هنا، لذلك إن سمحت لي أن أكتب وصيتي إن مت ولم أخرج من بين الأموات تكون وصيتي أن يحملوك إلى حيــ… قال السيد ع: إني أشعر بالضجر منكم هيا .. هيا بربكم. قال السيد الكلب: أصمت أرجوك ارحمني وتوقف عن الكلام، ولا تقلق علي سوف أجد من يحملني. قالت المرأة المزدحمة في نفسها، ليس لوجودي هنا أي قيمة. قالت زوجة النادل كلاماً لم أسمعه جيداً، وانتبه الجميع لتوقف صوت الموسيقى. قال السيد ع: لابد أن يسكر الإنسان ليشعر ببعض البهجة، أرجوكم يا رفاق. ارتفع صوت المرأة البعيدة: أعتقد أن هذا الوصف جيد، لأن الشمس هي التي تدور حول الأرض وبهذا يكون … قال الصوت المنبعث من تحت الطاولة: حسنا، لقد قلت كل شيء. قال الخادم: سيدي هل نذهب الآن؟ لقد قلت البارحة أنك تريد أن تغمض عينيك مبكراً هل تفهم قصدي يا سيدي. الشاب الذي كان ينظر إلى الخلخال أراد أن ينصرف. السيد الكلب أو رأس السيد الكلب قالت: اسمع اسمع، لتكن هذه المرة إنساناً جيداً، إني أعفيك من كل الواجبات  ولكن أرجوك أو آمرك لأنك لا تفهم إلا بالأمر، آمرك أن تدفنني أقصد تدفن هذه الرأس إني أشعر بالضجر هل تفهم أيها الملعون.

 

لماذا يتحدث الناس عن رأس كلب، ما المهم في ذلك ؟

تقول بعض النسوة اللاتي عرفتهن فيما بعد – على أي حال أنا لا أصدق هذا الكلام –  أنه شاع بين الناس الحديث عن رجل نحيل يحمل رأس كلب، يمضي به في كل مكان. يُرى في الليالي المقمرة في الحقول والغابات و الجبال، هكذا يقلن. يحفر بلا تعب، ضربات المعول تُسمع  من بعيد مثل عويل ذئب يتألم. يحفر بلا انقطاع. يقول: هل أحفر هنا يا سيدي؟  لأنك يا سيدي إن لم تقل لي أين أضع معولي في كل ضربة، سوف تتوسع هذه الحفرة بحدود غير واضحة، وأنا أحفر منذ ليالٍ ولم نجد ذلك المكان المناسب.

*****

خاص بأوكسجين

قاص من السعودية.

معلومات الصورة
الصورة من مجموعة أدهم عبدالله الفوتوغرافية.