بالطبع أنا نسوية! | إسراء رفعت

العدد 259 | 11 أيلول 2020

بروية وحكمة يبحث المرء في المصطلحات والفصائل للنظر فيها، فإذا وجد في نفسه شبهًا بها عمَّد نفسه أمام نفسه على الأقل.. عضوًا.

••

 

لم تزل لفظة "النسوية"، خصوصا في المجتمع العربي دلالة على تحرر غير مرغوب فيه، وفي مجتمع صغير أشد محافظة تدل على أكثر مما يدل اليسار مثلًا، فهي عند البعض تجمع موبقَين: اليسار والمرأة!

فالمرأة في أحسن اعتباراتها في مجتمعٍ محافظ هي شيء لا يُحَبذ الحديث عنه علنًا!

والمرأة المندرجة تحت هذا الوصف تستطيع الشعور بأفضليتها على النساء اللواتي يُعتبرن دنسًا، أو ملكًا للرجل والعائلة والقبيلة في مجتمعات أخرى.

 

في ذهني أن أغلب النساء المتحررات من أوهام المَنظرة والباحثات عن قضية حقيقية هي قضيتهن يضحكن سرًا من هذه الرؤية (رؤية المجتمع للكلمة) وسرعان ما ينشغلن بالقتال على حلباتهن الشخصية والعامة، الكثيرة.

الزوج أو العائلة، وفهم النفس، والأطفال ربما، والعمل وتحقيق الذات والسفر، ومصارعة الفقر أو القتال لأجل التعلم، والأفكار الدينية وفي أحسن حال هموم تفتُّح الذهن على قراءة ثقافية ووو...

 

النسويات نساء مشغولات هادئات أو منفعلات، لا يهم، مقاتلات في الداخل هذا أكيد.

المظهر الخارجي ليس معيارًا لتحديد ماهيتهن، يعانين ويحاولن التعبير عن هذه المعاناة بأكثر الطرق تحضرًا ولكن بقوة، لأن الحقوق -غالبا- تنتزع.

يتحملن مسؤولياتهن كاملةً ويؤدين جيدًا إذا ما اضطررن للعصامية.

غير عنصريات، ديمقراطيات يحترمن القوانين العادلة، ويؤمنَّ بالعدالة وحقوق الإنسان ويعرفن أن الحرية والديمقراطية، نار ونور في آن.

هذا ما أنتمي إليه، وهذا ما أحب أن تكون عليه النسوية، ولهذه النسوية أرى أن يكون الانتماء، في السر على الأقل.

مع حق المرأة في اختيار أن تحتفظ -أو ألا تفعل- بالدين والميول من أي نوع والهوية والمظهر وجميع اختيارات الإنسان الطبيعي.

 

نسوية كلمة تعني أن المرأة داعمة للمرأة/نفسها، داعمة وليست متحيزة، لا ترى المرأة نصف إلهة، ولا ترى بأحقيتها في شيء دون فئات المجتمع الأخرى، ولا تنزهها عن جريمة إذا ما وقعت، ولا تسرف في معاداة الرجال أو تنسى أن تضع قوانين للإنسان تردع التفلت، فالتفلت سمة الإنسان.

بالتأكيد فهمتم الآن أن الحديث سيذهب نحو نقد نسخة النسوية المراهِقة، التي لا يمكن سوى النظر إليها بعين شفقة، من قبل النسوية الأم إن صح التعبير، فهي رد فعل في أحسن أحوالها عن عقد نقص، أو قلة فكر أو أي مرضٍ فكري أو نفسي زرعه المجتمع في أكثر نسائه تنورًا ومعرفة.

لكننا لا بد وأن نشير إلى أن هذا المجتمع يتحمل ذنب هذه المراهقة تمامًا، فتسطيح النسوية هو ابن تسطيح دور المرأة بالأصل، وإيهامها مباشرة أو بالتربية والتشكيل أنها لن تصل ولو حاولت لفهم صحيح وافٍ لأهم عناوين الإنسانية الكبيرة، علومها وفلسفاتها، والتصفيق لها بحرارة ولمدة أطول لو وصلت بنمييز غير محسوس! وإبعادها عن أن تصبح أيقونة ثورية معينة، لأن أكثر قتلى الحروب رجال ولأن أرباب السياسة رجال ولأن المفكرين ولأن أكثر مستحقي جائزة نوبل... (ضعوا ما شئتم) كانوا رجالًا، وإلصاق الألقاب الانصرافية بنجاحاتها من قبيل: محجبة تخترع... امرأة سوداء نجحت في... عربية تفعل كذا. وحصرها في نسوية معينة وتحرر موجه غير مزعج للسلطة ولا رجال الدين من علماء السلاطين وغيرهم، ثم الاحتفال على شرف إعطائها حقًا واحدًا من حقوقها.

والزج بها في السجون إن هي أزعجت السلطة أو فهمت أكثر من اللازم.

وهكذا تمثلت بعض النساء المستنيرات، أو اللواتي خطون بعض الخطوات على طريق الاستنارة لواء النسوية الموجهة هذه دون أن يشعرن، ألبسوها نظاراتٍ شمسية وصعدوا بها إلى مسارح عالية، فلم تلمس سوى هموم "مهمة" لكنها غير مصيرية، وغضت الطرف كما يغض المجتمع الأبوي أو الذكوري عن مشاكل النساء في الطبقات المسحوقة ومشاكل تسليع النساء والتفضيل الاقتصادي، ونقد الموروث المسيء للمرأة.

 

ثم قبل أن تتعافى، زُج بالنسوية في فخ آخر مميت وهو معاداة الرجل، ورفض القبول منه تمامًا ثم الانحياز للمرأة على حسابه، وعلى حساب المجتمع، وعلى حسابها أيضًا بالضرورة، وتلميع كل هذا عبر الإعلام وجعله في معنى النسوية الأصيلة. ولكنه ليس سوى فخ ممنهج لم تزل النسوية واقعة فيه.

 

ولو كان العالم عادلا لقُبلت -كما تُقبل كل المستويات المعرفية المختلفة للقضايا الأخرى- كلُّ أشكال النسوية، الناضجة والنيئة والنص استوا! ولسارت هذه المسارات في خطوط متوازية أو متقاطعة نحو أهدافها ولحققت فوائدها تدريجيًا عبر كل طبقة، بهدوء وفاعلية.

لكن النسوية شأنها شأن كل ما يتآمر ضده العالم طُرحت طبقاتها كمتضادات، فحاربت بعضها، ونزعت بعضُها عن بعضها اسم النسوية، وانشغلت بالتفريق بين أعضائها على أسس طائفية، دينية أو عرقية. كان أساسها عدم احترام الديمقراطية وحق الفرد في أن يكون.

وهكذا فالناظر نحو الصورة الكبيرة، سوف يرى النسوية شأنها شأن أمور كثيرة في العالم، مسرح عرائس، تشتبك خيوط عرائسه كلها في يد مؤدٍ واحد يتقمص جميع الأصوات والأدوار، لا يؤمن بالحرية ويعاقب على أي تمردٍ محتمل بزنازينَ مظلمة وعزوف إعلامي!

 

إنني بالضرورة وكل امرأة -غير مؤدلجة- نسوية بالطبع، أختار طبقتي بعناية، وأفهم دوري، وأقوم به، غير ناسية بالتأكيد، النظر بين مدة ومدة، إلى الأعلى للتأكد من أنني لست دميةً مشبوكة بخيط.. إلى مؤدٍّ ما!

 

*****

خاص بأوكسجين

 

 

معلومات الصورة
من أعمال الفنانة الإيرانية منير شهرودي فارمنفرمايان (1922 – 2019)