امبرتو ايكو: قد يوّلد الإبداع واقعاً 1-2 | ترجمة عزة حسون

العدد 188 | 1 آذار 2016

عندما اتصلت للمرة الأولى بامبرتو ايكو، كلّمني من مكتبه في قصره الذي يعود إلى القرن السابع عشر، ذاك الواقع على التلال خارج أوربينو قرب الساحل الأدرياتيكي. تغنى وقتها بمزايا حوض السباحة لديه كما أبدى شكوكًا حول قدرتي على التعامل مع منحنيات طرقات الجبال الوعرة في تلك المنطقة. لذلك اتفقنا أن نلتقي في شقته في ميلان. وصلت إلى الشقة أواخر آب في أكثر أيام الصيف حرارة، وأثناء احتفال الكنيسة الكاثوليكية بعيد انتقال مريم العذراء. التمعت مباني ميلانو الرمادية تحت أشعة الشمس واستقرت طبقة خفيفة من الغبار على الأرصفة وبالكاد مرّت أي سيارات. عندما وصلت إلى مبنى أمبرتو وأخذت المصعد القديم سمعت صرير الباب في الأعلى ثم ظهر أمبرتو خلف قضبان المصعد المعدني وقال عابسًا قليلًا: "آآآه."

بدت الشقة متاهةً من الأروقة المليئة برفوف الكتب التي تصل حتى السقف العالي جدًا. هناك حوالي ثلاثين ألف كتاب كما يقول ايكو وعشرين ألفًا أخرى في قصره. رأيت مقالات لبطليموس وروايات كالفينو ودراسات نقدية لسوسير وجويس وأقسام كاملة في التاريخ القروسطي ومخطوطات سرّية. تبدو المكتبة حيّة مع كل هذه الكتب المهترئة من كثرة الاستخدام. يقرأ ايكو بسرعة كبيرة ولديه ذاكرة مذهلة. هناك أيضًا متاهة من الرفوف التي تحمل أعماله الكاملة والمترجمة إلى العربية والفنلندية واليابانية.... توقفت عن العد بعد اللغة الثلاثين. أشار إيكو إلى كتبه بدقة عاشق لافتًا انتباهي إلى مجلد تلو الأخرى منذ عمله الأول المشهود في النظرية النقدية وهو بعنوان "العمل المفتوح" إلى آخر أعماله "عن القبح".

بدأ ايكو عمله باحثاً في الدراسات القروسطية والسيميائية. في عام 1980 وفي سن الثامنة والأربعين نشر روايته "اسم الوردة" التي أحدثت ضجة عالمية وبيع منها ما يزيد على العشر ملايين نسخة. وهكذا تحول البرفسور إلى نجم أدبي يلاحقه الصحفيون ويُخطب ود تعليقاته الثقافية مع احترام كبير لمعرفته الواسعة. وأصبح ايكو من أهم الكُتاب الايطاليين ممن يزالون على قيد الحياة (نشر اللقاء في صيف 2008). ومنذ نشر روايته استمر بكتابة المقالات الغريبة والأعمال البحثية إضافة لأربع روايات حققت أيضًا أفضل المبيعات بما فيها 

"بندول فوكو"(Foucault’s Pendulum)  1998

و "شعلة الملكة لونا الغامضة"  (The Mysterious Flame of Queen Loana) 2004

توجهنا إلى غرفة الجلوس وعبر النوافذ لاح قصر قروسطي هائل على خلفية سماء ميلانو. توقعت أن أرى أنسجة مزدانة بالرسوم والصور وتحف ايطالية ولكن بدلًا من ذلك وجدت أثاثًا حديث الطراز، والعديد من الخزائن الزجاجية التي تعرض أصداف ومجلات فكاهية نادرة وآلة عود ومجموعة من الاسطوانات ومجموعة من فراشي الألوان. "هذه الفرشاة أهداها لي خصيصًا الفنان أرمان.. " أشار ايكو إلى إحداها.

جلست على كنبة بيضاء وغرق ايكو في كرسي منخفض وبيده سيجار. اعتاد تدخين ستين سيجارة يوميًا كما أخبرني ولكنه الآن يحمل سيجارًا دون اشعاله. عندما سألته السؤال الأول أغمض عينيه ثم فتحهما فجأة عندما حان دوره للتكلم والإجابة. " لقد ظهر عندي شغف بالعصور الوسطى كما يطور الناس شغفًا بجوز الهند." إيكو معروف في ايطاليا بردوده السريعة والكوميدية التي يلقيها تقريبًا مع كل عبارة. يبدو أن صوته يعلو كلما استطرد في الكلام، وسرعان ما بدأ يلخص مجموعة من الأفكار وكأنه يتكلم إلى صف مستغرق في محاضرة: " أولًا عندما كتبت اسم الوردة لم أعلم تمامًا كما هو حال الجميع ما هو مكتوب في المجلد المفقود، مجلد الكوميديا الشهير، في كتاب "الشعر" لأرسطو. ولكن بطريقة ما وخلال كتابتي لرواية اسم الوردة اكتشفت هذا المجلد. ثانيًا تتمحور الروايات البوليسية حول السؤال الرئيسي في الفلسفة:  من الذي قام بالفعل؟ 

إن رأى إيكو أن محاوره ذكي كفاية يسارع إلى اظهار تقديره المهني "نعم جيد، لكن أود أن أضيف.."

بعد جلسة حوار دامت ساعتين وصل ماريو أندريوس ناشر ايكو ورئيس التحرير في دار بومبياني ليصحبنا إلى العشاء. جلست رينتي رامج (Renate Ramge) زوجة ايكو البالغة من العمر خمسًا وأربعين عامًا مع أندريوس في المقعد الأمامي وجلست مع امبرتو في الخلف. بدا ايكو متجهم الوجه وشاردًا ولكن مزاجه تغير عندما وصلنا إلى المطعم ووضع الخبز أمامنا. نظر إلى القائمة مترددًا وعندما وصل النادل طلب على الفور كالزوني وكأس من الويسكي. " أجل, أجل..لايجب..." تقدم نحوه قارئ بشوش وسأله:" هل أنت أمبرتو ايكو؟" رفع البرفسور حاجبه، عبس وصافحه. ثم واصل الحديث وأطلق ايكو تعليقات مستفزة حول البابا بنديكيت السادس عشر وسقوط الامبراطورية الفارسية و أحدث أفلام جيمس بوند. "هل تعلم بأنني نشرت تحليلًا بنيويًا عن حبكة ايان فلمينغ الأصلية؟" قال ذلك وهو يغرز شوكته في الكالزوني. 

أين ولدت؟

ولدت في بلدة اليساندريا وهي مشهورة بصناعة قبعات بورسالينو(Borsalino).

حدثني عن العائلة التي تنحدر منها؟

عمل والدي محاسبًا وجدي مطبعيًا. كان والدي الأكبر بين ثلاثة عشر طفلًا. وأنا أيضًا الإبن البكر وابني أكبر أطفالي وحفيدي البكر أيضًا. لذلك إن اكتشف أحدهم بمحض الصدفة أن عائلة ايكو تنحدر من سلالة امبراطور بيزنطة ربما يكون حفيدي دوفينًا!

كان لجدي تأثير هام على حياتي. رغم أنني لم أزره كثيرًا فهو كان يعيش بعيدًا وتوفي وأنا في السادسة من عمري. كان شخصًا فضوليًا حول العالم بشكل كبير وقرأ الكثير من الكتب. والأمر المثير بحق هو أنّه عندما تقاعد بدا بتجليد الكتب. كان لديه الكثير من الكتب غير المُجلّدة المتناثرة هنا وهناك في شقته وكلها نسخ مصورة بشكل جميل لروايات القرن التاسع عشر كروايات دوماس وغوتير(. كانت تلك الكتب الأولى التي رأيتها في حياتي. عندما توفي عام 1938 لم يطالب أصحاب الكتب غير المجلدة بكتبهم ووضعتهم العائلة في صندوق كبير. وبمحض الصدفة انتهى المطاف بهذا الصندوق في قبو عائلتي. كان يرسلونني إلى القبو بين الحين والآخر لأحضر الفحم أو زجاجة نبيذ، وفي أحد الأيام فتحت الصندوق ووجدت كنز الكتب. ومنذئذٍ أخذت أزور القبو أكثر وأكثر. اكتشفت بأن جدي جمع أيضًا مجلات رائعة  كمجلة الرحلات و المغامرات في البر والبحر(Giornale illustrato dei viaggi e delle avventure di terra e di mare) المهتمة بالقصص الغريبة والقاسية التي تحدث في بلدان غريبة. كانت هذه أولى غزواتي في عالم الحكايات. لسوء الحظ فقدت كل هذه الكتب والمجلات ولكن مع مرور السنين استعدتهم بالتدريج من المكتبات القديمة وأسواق السلع المستعملة. 

 إن لم تر أي كتاب حتى زرت جدك هل يعني هذا أن والديك لم يملكا أي كتب؟

هذا غريب حقًا فقد كان والدي في شبابه قارئًا نهمًا. وبما أنّ لدى جدي ثلاثة عشرة طفلًا فقد كانت العائلة تعاني لتتدبر أمورها ولم يستطع والدي شراء الكتب لذلك كان يذهب إلى أكشاك الكتب ويقف ليقرأ في الشارع وعندما ينزعج البائع منه ينتقل والدي إلى الكشك التالي ويكمل القسم التالي من الكتاب وهكذا. هذه الصورة عزيزة علي جدًا,،إنّها صورة السعي الحثيث وراء الكتب. وعندما كبر والدي لم يكن لديه وقت للقراءة سوى في الأمسيات حيث يقرأ الجرائد والمجلات. لم يكن في بيتنا سوى القليل من الروايات ولم تكن على الرفوف بل في الخزانة. كنت أحيانًا أرى والدي يقرأ رواية استعارها من أحد الأصدقاء.

 ما كان رأيه في أنك أصبحت باحثًا بعمرٍ مبكرٍ؟

 حسنًا.. لقد توفي باكرًا جدًا. حدث هذا في عام 1962 وقد نشرت وقتها بضعة كتب. كانت كتبًا أكاديمية وعلى الأغلب ستربك والدي. ولكنني اكتشفت أنّه حاول قراءتها في وقت متأخر من الأمسيات. لقد نشرت كتاب "العمل المفتوح" قبل وفاته بثلاثة أشهر. في ذلك الوقت كتب الشاعر العظيم يوجين مونتالي مقالًا نقديًا عن الكتاب في مجلة Corriere della Sera. كان المقال خليطًا من الإثارة والود والتشنيع ولكنًه مقال بقلم مونتالي. أعتقد أنّه يستحيل على والدي تخيل ما هو أبعد من هذا. وأعني هنا أنني سددت ديني وأشعر بأنني حققت كل أمانيه على الرغم من أنّه كان ليحب رواياتي ويقرأها بمتعة أكبر. عاشت والدتي بعده لعشر سنوات ولذلك عرفت بأنني كتبت الكثير من الكتب الأخرى وبأنني دعيت لأحاضر في جامعات أجنبية. كانت مريضة جدًا ولكن سعيدة. على أي حال لا أعتقد أنها كانت تدرك تمامًا مالذي كان يحدث، وكما تعلم الأم ستكون فخورة بولدها حتى لو كان غبيًا تمامًا.

كنت طفلًا عندما ظهرت الفاشية بقوة في ايطاليا وبدأت الحرب، كيف نظرت إلى ذلك آنذاك؟

كان زمنًا غريبًا. لدى موسوليني شخصية جذّابة وكأي طالب مدرسة ايطالي كنت مُدرجًا في حركة الشباب الفاشي. كان الجميع مُلزم بارتداء بزّات عسكرية والاشتراك بالمسيرات أيام السبت، كنّا سعداء بالقيام بذلك. و يعادله حاليًا أن يقوم طفل أمريكي بارتداء زي البحرية والشعور بأنّه رائع. بالنسبة لنا نحن الأطفال كانت الحركة طبيعية كالثلج في الشتاء والحرارة في الصيف. ولم نتصور أنّ هناك طريقة أخرى للحياة. أسترجع ذكرى تلك المرحلة بكثير من الحنان كما يفعل أي شخص يتذكر طفولته. أتذكر التفجيرات والليالي في الملاجئ بكثير من الرقة. في عام 1943 عندما انتهى الأمر مع سقوط الفاشية اكتشفت في الجرائد ذات التوجه الديمقراطي وجود أحزاب ورؤى سياسية أخرى. وهربًا من التفجيرات التي وقعت بين أيلول 1943 ونيسان 1945 وهي السنوات الأكثر تدميرًا في تاريخ أمتنا غادرت مع أمي وأختي إلى  الريف لنعيش في قرية بيدمونتيسي (Piedmontese) في منطقة مونفيراتو (Monferrato). كانت القرية مركزًا للمقاومة. 

هل شهدت أي معركة؟

أتذكر أنني شاهدت تبادل اطلاق رصاص بين الفاشيين والانفصاليين وتمنيت وقتها لو تمكنت من المشاركة في المعركة. أتذكر أنني في مرحلة ما تجنبت رصاصة وقفزت من الكرسي منبطحًا أرضًا. وأتذكر أنني كنت أشاهد أسبوعيًا في القرية حيث كنا نسكن قصف قرية أليساندريا (Alessandria) حيث يعمل والدي. كانت السماء ملتهبة باللون البرتقالي وخطوط الهاتف معطلة وتوجب علينا انتظار والدي حتى يعود في نهاية الأسبوع ليتأكد من أننا لازلنا على قيد الحياة. خلال هذه المرحلة كان المرء مجبرًا على تعلم كيفية البقاء حيًّا.

هل للحرب تأثيرٌ على قرارك بأن تصبح كاتبًا؟

لا ليس هناك أي رابط مباشر بينهما. كنت قد بدأت الكتابة قبل الحرب وبشكل مستقل عنها. في مراهقتي كتبت كتبًا فكاهية لأنني قرأت الكثير منها وروايات خيالية تقع أحداثها في ماليزيا وافريقيا الوسطى. كنت مثاليًا وأردت أن تبدو تلك الكتب وكأنها مطبوعة ومصورة. كان الأمر مرهقًا جدًا ولم أنتهِ من أي واحد منها. كنت في تلك المرحلة كاتبًا عظيمًا لتحفٍ أدبية غير مكتملة. لعبت ذكرياتي عن زمن الحرب دورًا ما في كتابة رواياتي لاحقًا، ولكن ككل إنسان كنت مهووسا بذكريات شبابي. 

هل سمحت لأي أحد بالاطلاع على كتبك الأولى؟

من المحتمل أن والداي شاهدا ما كنت أفعله ولكن لا أعتقد أنني أريتهم لأي أحد آخر. كان الأمر أشبه بممارسة خطيئة بشكل اعتكافي. 

تحدثت مسبقًا عن محاولتك كتابة الشعر في هذه المرحلة. في مقالتك عن الكتابة كتبت: "كان لشِعري الأصل الوظيفي والتركيب الشكلي المماثل لأصل وتركيب حب الشباب."

 أعتقد أنّه في سنٍ معين، أي في الخامسة عشرة أو السادسة عشرة تشبه كتابة الشعر الاستمناء. لاحقًا سيُحرق الشعراء الماهرون أشعارهم الأولى وبينما سينشرها الشعراء السيئون. لحسن الحظ استسلمت بسرعة.

 من الذي شجعك في محاولاتك الأدبية؟

 جدتي من جهة والدتي فقد كانت قارئة نهمة. رغم أنّها لم تتجاوز الصف الخامس ولكنها كانت عضوة في المكتبة المحلية. كانت تحضر لي كتابين أو ثلاثة كل أسبوع, وهي روايات رخيصة الثمن أو أعمال لبلزاك. بالنسبة لها لم يكن هناك فرق، كانت كلها كتبًا مذهلة. من جهة أخرى كانت دراسة والدتي تؤهلها لتصبح خبيرة بصمات مستقبلية فقد بدأت بتعلم الفرنسية والألمانية. ورغم مطالعاتها الكثيرة خلال شبابها إلا أنها استسلمت لنوع من الكسل عندما كبرت مكتفية بقراءة الروايات والمجلات النسائية لهذا السبب لم أكن أقرأ ما تقرأه. لكنها كانت تتكلم ببراعة وبطريقة ايطالية جيدة وتكتب بشكل جميل مما دفع أصدقاءها للطلب منها أن تكتب لهم رسائلهم. كان لديها حساسية عظيمة نحو اللغة رغم أنّها تركت المدرسة باكرًا. أعتقد بأنني ورثت عنها الذوق الأصيل في الكتابة والعناصر الأولى لأسلوبي.   

 إلى أي درجة يمكن وصف رواياتك بأنّها سيرة ذاتية؟

 بطريقة ما أعتقد بأن كل الروايات سير ذاتية. عندما تتخيل شخصية فإنك تعطيها بعضًا من ذكرياتك الشخصية. تعطي جزءًا من نفسك لهذه الشخصية وجزءًا آخرً لتلك الشخصية. وبهذا المعنى فأنا لا أكتب سيرة ذاتية ولكن الروايات سيرتي الذاتية. هنا يكمن الإختلاف.

 هل هناك العديد من الصور التي نقلتها بشكل صريح؟ أفكر مثلا بشخصية بيلبو وهو يعزف البوق في المقبرة في رواية "بندول فوكو".

 ذلك المشهد ذاتي بالمطلق. أنا لست بيلبو ولكن الأمر حدث معي ومن المهم أن أكشف الآن أمرًا لم أتكلم عنه من قبل. منذ ثلاثة أشهر اشتريت بوقًا ذي جودة عالية بقيمة تقارب ألفي دولار. ولكي تعزف البوق يجب أن تُمرّن شفتيك لوقتٍ طويل. كنت عازفًا جيدًا عندما كنت في الثانية عشرة أو الثالثة عشرة ولكن فقدت المهارة وأعزف الآن بشكل سيء. رغم ذلك أعزف كل يوم والسبب يعود إلى رغبتي بالعودة إلى طفولتي. أرى أنّ البوق دليل على أنني كنت شابًا في يومٍ ما. لا أشعر بأي شيء نحو الكمان ولكن عندما أرى البوق أشعر بكثير من الاثارة تجري في عروقي. 

 هل استطعت أن تعزف الألحان التي اعتدت عزفها في طفولتك؟

 كلما عزفت أكثر تذكرت الألحان التي اعتدت عزفها بشكل أوضح. بكل تأكيد هناك مقاطع عالية وصعبة جدًا. أكررها كثيرًا، أحاول أن أفعل هذا ولكنني أعلم ببساطة أنّ شفتي لا تستجيبان بشكل صحيح.

هل يحدث الأمر عينه مع ذاكرتك؟

هذا غريب حقًا، فكلما كبرت بالعمر تذكرت أكثر. سأعطيك مثالًا على ذلك. كانت لهجتي الأصلية لهجة منطقة أليساندريا  وهي لهجة هجينة من منطقة بيدمونتيسي مع عناصر من لهجات (Lombard) و(Emilian) و(Genovese).لم أتكلم هذه اللهجة فعائلتي من البرجوازيةالصغيرةولهذا ارتأى والدي أن نتكلم أنا وأختي الايطالية فقط. ولكن والداي تكلما بهذه اللهجة مع بعضهما لذلك أفهمها تمامًا ولكن لم أستطع التكلم بها. فجأة وبعد نصف قرن ومن جوف بطني أو من اللاوعي خرجت اللهجة وأخذت أتكلم بها عندما التقي أصدقائي من أليساندريا! ولذلك ومع مرور الوقت لم أتمكن فقط من استعادة الأشياء التي نسيتها بل تمكنت من استعادة أشياء لم أملكها. 

 لما قررت دراسة علم الجمال القروسطي؟

 تلقيت تعليمًا كاثوليكيًا وخلال دراستي الجامعية كنت أدير إحدى المنظمات الطلابية الكاثوليكية الوطنية. لذلك كنت مفتونًا بالفكر الأكاديمي القروسطي وبعلم اللاهوت المسيحي القديم. بدأت بأطروحة عن علم الجمال في أعمال توماس الأكويني ولكن قبل الانتهاء من الاطروحة أصيب ايماني بصدمة. كانت قضية سياسية معقدة. كنت أنتمي إلى الجانب الأكثر تقدمية في هذه المنظمة الطلابية وهذا يعني أنني كنت معنيًا بالقضايا والعدالة الإجتماعية. كان الجناح اليميني محميًا من قبل البابا بيوس الثاني عشر. في أحد الأيام تعرض جناحي في المنظمة إلى اتهامات بنشر الاشاعات والشيوعية. وقد تعرضنا للهجوم حتى من قبل الجريدة الرسمية للفاتيكان. أثار ذلك الحدث مراجعة فلسفية لإيماني ولكنني تابعت دراسة العصور الوسطى والفلسفة القروسطية، وبالأخص توماس الاكويني المفضل لدي، بكثير من التقدير.

في ملحق رواية "اسم الوردة" كتبت: " أرى فترة العصور الوسطى في كل مكان متموضعة بوضوح في كل شأن يومي قد لايظهر بمظهر قروسطي مع أنّه كذلك." كيف يمكن أن تكون شؤونك اليومية قروسطية؟

حياتي بأكملها مليئة بعدد لا يحصى من تجارب الانغماس الكامل في العصور الوسطى. على سبيل المثال عندما كنت أُعد أطروحتي ذهبت مرتين في رحلات لشهرين إلى باريس وقمت بالبحوث في المكتبة الوطنية. قررت أن أعيش حياة العصور الوسطى فقط خلال هذين الشهرين. إن اختصرت خريطة باريس واخترت شوارع معينة يمكنك أن تعيش في العصور الوسطى وتفكر وتشعر كإنسان العصور الوسطى. كانت زوجتي تملك معرفة واسعة بالنباتات والأزهار حول العالم وكانت دومًا توبخني على عدم النظر إلى الطبيعة بشكل صحيح وذلك قبل كتابة رواية "اسم الوردة". في احدى المرات كنّا في الريف وأشعلنا نارًا. طلبت مني أن أنظر إلى الجذوات المتطايرة من النار حول الأشجار. لم أنتبه إلى الجذوات من كل بد لكن لاحقًا عندما قرأت الفصل الأخير من الرواية حيث وصف مشهدًا مماثلًا قالت لي: "لقد نظرت حقًا إلى الجمرات!" وقلت: "لا ولكنني أعلم كيف سينظر راهبٌ قروسطي إلى الجذوات." 

هل تعتقد بأنك استمتعت حقًا في حياة العصور الوسطى؟

حسنًا لو هذا حصل بالفعل لكنت ميتًا الآن. لربما اختلف شعوري عن ذلك العصر لو عشت في العصور الوسطى حقًا. لذلك تخيلت كيف سيكون الأمر فقط.

بالنسبة لشخصٍ علماني ستبدو العصور الوسطى مرحلة يكتنفها شيء من الغموض والبُعد. مالذي جذبك إليها؟

من الصعب الإجابة عن هذا السؤال كما ستكون الإجابة عن سبب الوقوع في الحب صعبة. إن توجب عليّ شرح الأمر سأقول إن المرحلة مختلفة تمامًا عن الطريقة التي يتخيلها الناس. لا أراها عصورًا مظلمة بل أوقاتًا نيرة وتربة خصبة أخرجت عصر النهضة. كانت مرحلة فوضى وتغيير مستمر فقد ولدت فيها المدنية الحديثة ونظام البنوك والجامعات والفكرة المعاصرة لأوروبا بلغاتها وأممها وثقافاتها. 

قلت أنك في كتبك لا تقوم بأي مقارنات مقصودة بين العصور الوسطى والأزمنة المعاصرة ولكن يبدو أن هذا الأمر جزء من جاذبية المرحلة بالنسبة لك.

 أجل ولكن على المرء أن يكون حذرًا جدًا أثناء عقد المقارنات. كتبت في إحدى المرات مقالة عرضت فيها بعض المقارنات بين العصور الوسطى وعصرنا. ولكن إن اعطيتني خمسين دولاراً سأكتب لك مقالًا عن التشابهات بين عصرنا و عصر الإنسان القديم. من السهل دومًا ايجاد التشابهات. على أي حال أعتقد أن دراسة التاريخ تعني عقد مقارنات عميقة مع الأزمنة الحديثة. أعترف بأنني عتيق الطراز بشكل هائل ولازلت أعتقد كما فعل سيسرو(Cicero) بأنّ التاريخ معلّمٌ في الحياة. 

 لماذا بدأت فجأة دراسة اللغة عندما كنت باحثًا شابًا؟ 

 كنت مهتمًا منذ زمن طويل بالفهم من خلال التواصل. كان السؤال في علم الجمال يتمحور حول ماهية العمل الفني والكيفية التي يحاورنا فيها العمل الفني. وبشكل خاص أصبحت مسحورًا بسؤال الماهية. علاوة على ذلك ما يميزنا ككائنات بشرية هو القدرة على استخدام اللغة. وكما اتضح في وقت لاحق بعد الانتهاء من اطروحتي وبداية عملي في التلفاز الايطالي، كان هذا في عام 1954 أي بعد أشهر قليلة على أول بث تلفزيوني، إنها بداية مرحلة وسائل التواصل المرئي في ايطاليا. لذلك بدأت وقتها بالتساؤل عمّا إن كنت أملك نوعًا غريبًا من انفصام الشخصية. من جهة كنت مهتمًا بالوظائف المتطورة للغة في الأدب والفن التجريبيين، ومن جهة أخرى كنت أستمتع بالتلفاز والكتب الفكاهية والقصص البوليسية. وسألت نفسي بشكل طبيعي هل من الممكن أن تكون اهتماماتي مميزة حقًا؟ 

وانتقلت إلى دراسة السيمياء لأنني أردت أن أجمع المستويات المختلفة للثقافة. وبدأت أفهم أنّ أي شيء تنتجه وسائل الإعلام يمكن أن يصبح موضوعًا للتحليل الثقافي.

 صرّحت في إحدى المرات أن السيمياء نظرية في الكذب.

 كان يجب أن أقول آنذاك " ما يناقض الحقيقة" بدلًا من "الكذب". يمكن للكائنات البشرية قص الحكايات الخرافية وتخيل عوالم جديدة والوقوع في الأخطاء ويمكنهم الكذب واللغة مسؤولة عن كل هذه الاحتمالات. الكذب قدرة خاصة بالبشر، فالكلب الذي يلحق بأثر يلحق برائحة، لذلك كليهما، الكلب والرائحة لا يكذبان. ولكنني أستطيع الكذب عليك واخبارك أن تذهب إلى تلك الوجهة التي قد لا تكون الوجهة التي سألت عنها ومع ذلك ستصدقني وتذهب في الوجهة الخاطئة. ويعود سبب حدوث هذا الاحتمال على أننا نحن البشر نعتمد على الاشارات.

 يؤكد بعض مناهضي السيمياء كحقل دراسة على أنّ السيميائيين يعملون على محو الواقع في نهاية الأمر.

هذا هو موقف من يدعون أنفسهم التفكيكيون، وهم لا يفترضون فقط أنّ كل شيء نص، بما في ذلك هذه الطاولة هنا، وبأن كل نص قابل لتأويل لانهائي ولكنهم أيضًا يؤمنون بفكرة نيتشه حول عدم وجود حقائق بل تأويلات. على نقيضهم أؤمن بما قاله تشارلز ساندرز بيرس أعظم فيلسوف أمريكي على الإطلاق ومؤسس السيمياء ونظرية التأويل. يقول بيرس إنّه من خلال الاشارات نفسر الحقائق. إن لم يكن هناك حقائق بل مجرد تأويلات، مالذي سيبقى عندئذ للتأويل؟ هذا ما أناقشه في كتاب "حدود التأويل".

 كتبت في رواية "بندول فوكو": "كلما ازدادت مواربة وغموض رمز ما كلما ازدادت أهميته وقوته."

 يغدو السر أقوى عندما يكون فارغًا. يتكلم الناس غالبًا عن" السر الماسوني"ولكن ما هو السر الماسوني؟ لا أحد يستطيع اخبارك. مادام هذا السر فارغًا سيتمكن أي أحد من إضافة فكرة محتملة وسيغدو هذا السر قويًا. 

 هل تقول بأنّ عملك كسيميائي منفصل تمامًا عن عملك كروائي؟

 قد يبدو الأمر غير قابلٍ للتصديق, ولكنني لا أفكر بالسيمياء عندما أكتب رواياتي بل أترك الأمر للآخرين ليقوموا به. ودومًا ما أفاجئ بالنتيجة عندما يقومون بذلك.

 هل تزال مهووسًا بالتلفاز؟

 أشك بوجود أي باحث جاد لا يحب مشاهدة التلفاز ولكنني الوحيد الذي يعترف بالأمر. فأنا أحاول استخدام ما أشاهده كمادة في أعمالي. ولكنني لست مدمنًا يشاهد أي شيء فأنا أستمتع بمشاهدة أنواع معينة. أحب المسلسلات الدرامية وأكره البرامج الفضائحية.

 هل هناك برامج معينة تحب مشاهدتها بشكل خاص؟

 المسلسل البوليسي ستارسكي وهوتش على سبيل المثال.

 لم يعد ذلك البرنامج معروضًا فهو يعود إلى فترة السبعينات.

 أعلم ولكن أخبروني أنهم أطلقوا السلسلة بكاملها على أقراص مدمجة ولذلك أفكر بشرائها. وأحب أيضًا سي إس آي وميامي فايس و إي آر وكولومبو أيضًا. 

 هل قرأت رواية شيفرة دافنشي؟

 أجل. أعترف بهذا.

 تبدو تلك الرواية كفرعٍ صغير وغريب من رواية "بندول فوكو"؟

الكاتب دان بروان شخصية من شخصيات رواية بندول فوكو! لقد اخترعته. فهو يشارك شخصياتي اهتماماتها بالمؤامرة العالمية وفرسان صليب الزهرة (Rosicrucians) والماسونيون واليسوعيون ودور فرسان الهيكل والسر والمبدأ القائل بترابط جميع الأمور. قد لا يكون هناك يوجد دان بروان.

 تبدو فكرة بناء فرضية خيالية حاضرة في كل رواياتك وتكتسب القصص بطريقة ما جوهرًا وواقعًا. 

 قد يوّلد الإبداع واقعًا وهذا ما تتكلم عنه روايتي الرابعة بودولينو(Baudolino). هذه الرواية مخادعة قليلًا وتجري أحداثها في بلاط الإمبراطور الروماني فريدريك باربوسا. يتحدث بودولينو في الرواية عن عدد من الأمور الغريبة كأسطورة الكأس المقدس ووصول باربوسا إلى الحكم شرعيًا بمساعدة مُحلّفين بولونيين, وهذا بدوره خلقٌ لحقائق. يمكن للزيف والخطأ أن يخلقا احداثًا تاريخية تمامًا كرسالة الكاهن جون. الرسالة مزيفة وهي في روايتي من اختراع بودولينو. شجعت الرسالة الكشوفات القروسطية لآسيا فهي تصف مملكة مسيحية رائعة مزدهرة في مكان ما في الشرق الغامض. لنأخذ كريستوف كولومبوس أيضًا الذي كان يعرف ككل الناس في ذلك العصر بما في ذلك خصومه أنّ الأرض كروية ولكنّه اعتقد أنّها أصغر. ومدفوعًا بهذه الفكرة الخاطئة اكتشف أمريكا. هناك أيضًا مثال آخر وهو برتوكولات حكماء صهيون. إنّها مزيفة ولكنها تدعم الايديولوجيا النازية وهي بطريقة ما مهدت الطريق للهولوكست حيث استخدم هتلر الوثيقة لتبرير القضاء على اليهود. ربما علم أنّ الوثيقة مزيفة ولكنها قد وصفت اليهود تمامًا كما أرادهم أن يكونوا وبالتالي اعتبرها أصلية. 

يعلن بودولينو في النهاية أنّ " مملكة الراهب موجودة لأنني ورفاقي كرّسنا ثلثي حياتنا للبحث عنها." 

 يزيف بودولينو الوثائق ويخترع مدنًا فاضلة ويضع مخططات مستقبلية وهمية. تصبح أكاذيبه حقيقة عندما ينطلق أصدقائه بكل سعادة في رحلة حقيقية إلى هذا الشرق الأسطوري. هذا جانب واحد من العمل الروائي أما الآخر فهو استخدام حقائق واقعية ستبدو في إطار الرواية غير قابلة للتصديق وخيالية جدًا. في روايتي استخدمت الكثير من القصص الحقيقية ومواقف حدثت لأنني أجد هذه القصص والروايات أكثر رومانسية أو سردية من أي شيء قرأته في الأدب أبدًا. في رواية "جزيرة الأمس", (The Island of the Day Before ) على سبيل المثال هناك ذلك الجزء عندما يقوم الأب كاسبر باختراع آلة غريبة لينظر من خلالها إلى كوكب المشتري لينتهي الحدث بشكل كوميدي تهريجي. يتم وصف هذه الأداة في رسالة لغاليليو. أتخيل ببساطة مالذي سيحدث لو تم اختراع أداة غاليليو حقيقة ولكن القرّاء قرأوا الجزء بشكله الكوميدي.

مالذي يجذبك في كتابة الروايات المبنية على أحداث حقيقية؟

 بالنسبة لي لا تعد الرواية التاريخية نسخة قصصية لأحداث حقيقية بل أدبًا سيمكننا حقًا من فهم التاريخ الحقيقي بشكل أفضل. أحب أيضًا مزج الرواية التاريخية مع عناصر من الرواية التثقيفية. في كل رواياتي هناك شخصية شابة تنضج وتتعلم وتعاني من خلال سلسلة من التجارب. لم يكن الأمر كما اعتقد الجميع بأنها قفزة لأنني حتى في أطروحة الدكتوراه وفي طرح النظريات كنت أخلق حكايا. اعتقدت لفترة طويلة بأن غالبية الكتب الفلسفية تتمحور في جوهرها حول سرد حكاية يشرح الفيلسوف فيها الكيفية التي من خلالها وصل إلى كشوفاته الكبيرة. لذلك لطالما شعرت أنني أسرد القصص طول الوقت ولكن بأسلوب مختلف قليلًا. 

 كيف عرفت أنك يجب أن تكتب رواية؟

في أحد الأيام من العام 1978 أخبرتني احدى الصديقات أنّها تشرف على نشر مجموعة من الروايات البوليسية لمؤلفين هواة. قلت وقتها أنّه يستحيل علي كتابة قصة بوليسية ولكن إن حصل وفعلت فإنها ستصل إلى خمسائة صفحة أبطالها كهنة قروسطيين. في ذلك اليوم عند عودتي إلى البيت بدأت بقائمة من أسماء كهنة وهميين. فجأة انبثقت صورة كاهن مسجون في ذهني وبدا الأمر بتلك الصورة، ومن تلك الصورة الوحيدة تحول الأمر إلى حافز لا يُقاوم. 

يبدو أنّ الكثير من رواياتك تقوم على المفاهيم الذكية. هل تجد هذه الطريقة طبيعية  في رأب الفجوة بين العمل النظري والكتابة الروائية؟ لقد قلت مرة أنّ: " الأمور التي لا نستطيع التنظير فيها يجب أن نرويها." 

ما قلته استعارة ساخرة من جملة قالها ويتغنشتاين. في حقيقة الأمر كتبت العديد من المقالات عن السيميائية ولكن أعتقد أنني عبّرت عن أفكاري بشكل أفضل في "بندول فوكو". فأي فكرة ستخطر ببالك قد لا تكون جديدة لأن أرسطو سيكون قد سبقك إليها. ولكن عندما تكتب رواية مبنية على فكرة فإن هذه الفكرة ستكون أصيلة. الرجال يحبون النساء. هذه ليست فكرة جديدة ولكن إن حاولت كتابة رواية رائعة عنها عندئذ وببراعة أدبية تصبح الفكرة جديدة بالمطلق. أعتقد ببساطة أنّه في نهاية الأمر القصة أغنى، إنها فكرة أعيد ترتيبها بشكل حدث ترويها شخصية وتطلقها لغة متقنة. لذلك وبشكل طبيعي عندما تتحول الفكرة إلى كائن حيّ تتحول إلى شيء مختلف تمامًا وأكثر تعبيرًا. من جهة أخرى قد يكون التناقص جوهر الرواية. قد يكون قتل العجائز أمرًا مثيرًا للاهتمام وقد تحصل على علامة الرسوب في امتحان الأخلاق ولكن في رواية يتحول الأمر إلى رواية "الجريمة والعقاب" التحفة الأدبية التي تعجز الشخصية فيها عن تحديد موقفها من قتل العجائز وإن كان عملًا صائبًا أو خاطئاً وهكذا يصبح التناقض في الشخصية مسألة شعرية ومُحفزة.

(يتبع في العدد المقبل)

________________________________________

أجرت المقابلة  Lila Azam Zanganeh

اللوحة من أعمال التشكيلي السوري نذير نبعة الذي فارقنا في 22 شباط 2016

*****

خاص بأوكسجين