اليتامى لا يشاهدون محطات الرئيس | نجوى بن شتوان

العدد 153 | 2 حزيران 2014

ضحك عاصف:

من حسن حظنا أننا نسكن بلادا لا تهب فيها العواصف حتى إننا لا نعرف ما تعنيه هذه الكلمة التي لا توجد في معجمنا اللغوي، ولا تدخل في حيز استعمالنا ولا نعرف كيف يموت الذين نسمع أنهم ماتوا بفعل عاصفة قوية موصوفة بالهوجاء، ذلك أنّا نجهل ما هي العاصفة أصلا، كيف تميت الناس - أي العاصفة -  التي تميتنا بالضحك، فالعاصفة التي هي عاصفة عند غيرنا هي شيء يجلب الضحك عندنا وإلينا، بل لولا مفردة العاصفة ومشتقاتها ما كنا لنعرف الضحك على الإطلاق وكيف يحدث ولمَ يحدث؟ وما كنا لنميز الضاحك عن المضحوك منه، بل إننا كنا بلا ضحك قبل دخول هذه الكلمة حياتنا اليومية، فجرب وقل"عاصفة" بل أهمسها همساً بينك وبين نفسك وسترى كيف يضحك الناس منك وعليك وكيف يموت عدد منهم وأفواههم مفتوحة حتى بروز ألسنة مزاميرهم.

عااااااااااااصفة بقوة.

هههه 

ولكنها عاصفة ستعصف بكم حقاً

 صدقوني

هههههههه

جميعاً ماتوا يضحكون، جراء العاصفة لا الضحك!

***

أحد ما يعلم:

يركب دراجته في المساء ويظل يدور في نواحي الحي، يظهر كل مرة في مكان حتى يظن أنه ذهب بعيداً ثم يعود ليظهر من جديد في نفس المكان. تجلس امرأة عجوز قرب النافذة تحيك بالإبرة والخيط، اعتادت سماع صوت الدراجة ورؤية الصبي يقودها بفرح، قالت لحفيدتها ذات مرة:

الصبي الذي يركب الدراجة لم يعد يمر من هنا، ترى أين هو؟

ثم لبست الشال الذي انتهت من حياكته وذهبت للبحث عنه، وجدت بعض  الأولاد يقودون درجاتهم هنا وهناك،  سألتهم عنه بفضول، فلم يعرفوه، وأبداً لم يتعرف شخص على شكله في الناحية، عدا امرأة حزينة، دأبت على إخراج دراجة قديمة من مستودع بيتها، ووضعها أمام البيت، ثم كانت تذهب عنها هنا وهناك قبل أن تعيدها للمستودع وتقفله بإحكام.

 قالت المرأة الحزينة للعجوز قبل أن تدخل الدراجة ذاك اليوم : كان ابني ماهراً في قيادتها.

***

الضحية: 

يهوى ولدي المراهق التصوير بكاميرا الفيديو داخل المنزل، يصور كل كبيرة وصغيرة، كثيراً ما قام بقص ولصق بعض المواقف وصياغة حكاية مغايرة ، حتى أن حياتنا تبدو في نظرة المراهق مثل دعاية شهيرة لكنها مضحكة. كان ولدي يعيش حلماً حين يقوم بتصويرنا في المطبخ ونحن نأكل طعاماً صنعته جدته، احتفى على عادته بجدته فأعطاها نسخة من مشاهدها في المطبخ، هديةً لأكثر من نصف قرن في الحياة، لكن العجوز بدت متأثرة للغاية بعد مشاهدة الشريط في بيتها، وسألتنا بحزن عن إذا ما سمعنا بالرجل الذي انتحر من النافذة حين كنا نتناول الطعام، لمَ انتحر؟

 فقلنا لها : 

أي رجل وأي نافذة؟

 قالت العجوز: 

 الرجل الذي في الشريط حين كنتم تأكلون الطعام، طعامي.

ونظرت إلي يديها كشاهد إثبات مسن.

 أعدنا المشاهدة، فرأينا في خلفية مشهد الطعام رجلاً ينتحر فعلاً بالقفز من النافذة، وشعرنا بالحزن حقاً لأننا كنا نأكل بينما هو ينتحر. اعترف ولدي لجدته المتأثرة بأنه هو من  جلب الرجل إلى الشريط وجعله ينتحر ليصف لها مذاق الطعام ذلك اليوم، لكن الجدة ظلت تعتقد حتى وافتها المنية ، أن ثمة رجل قضى منتحراً من نافذة مطبخنا حقاً، ولم تفلح الجهود في إقناعها بعدم وجود نافذة في المطبخ مذ تشييده وإلى اليوم. 

***

مصاهرة: 

كان مدخل البيت مليئاً بالنباتات

 وداخل البيت مليئاً بالبنات،

 صار لكل بنت رجلها الذي يروح ويجيء،

 وبعد كثير من الرواح والمجيء، 

اندثرت النباتات 

ونشأ مكانها آثار أحذية صغيرة كثيرة 

جاءت بها البنات من العدم.  

***

كبير  كبير: 

أما زلت ترى الأشياء كبيرة؟

قال: مازال حجمها كما هو، أخذه الطبيب إلى النافذة وحاول اختباره، ما حجم تلك السيارة الصغيرة؟

أراها بحجم شاحنة

وتلك المرأة؟

أراها بحجم بناية

وهذا القلم؟

صاروخ 

والصاروخ؟

مركبة فضائية.

والمركبة الفضائية؟

سديم

ونحن؟ 

هم

وهم؟

لم أعد أراهم

لمَ؟

لأن حجمهم صغير جداً

لماذا؟

لأنك تحجبهم عني.

كتب الطبيب في تقريره:

لا مانع من نقل السجين للمصحة العقلية. 

***

حدود: 

لم أجد في الغرفة  204 هواء حين دخلتها، كونت هواءً لها، فبعثت الورود الذابلة على غطاء السرير، وأعطى هوائي فسحة للدودة كي تخرج من التفاحة الموجودة في صورة على الجدار، وللرجل الذي يمارس اليوغا منذ سنوات في ظلها أن يغير جلسته، وللملاءة التي تحته أن تنتفض، امتلأت الغرفة بهوائي، فتسرب من ثقب الباب إلى الخارج، تنفسه جداً ذاك الذي أراد الدخول. 

***

سلام معقود: 

أكشطِ الريم عن سطح العسل، يجب أن تتعلمي كل شيء، إن فتحتي بيتاً في المستقبل ستكونين مدبرة صالحة، عاد القصف، قالت له اخفضي رأسك بسرعة ولنختبئ، والعسل يا ماما؟ أطفئي النار حتى ترحل الطائرات. 

ماما..

هس ...

 

ذهبت الطائرات وعلت صرخات الأم:  النجدة النجدة  قناص .

صمدت حلة العسل على الموقد، ونزل الدم من جبهة الصغيرة، التي تحلم أمها أن تفتح بيتا في المستقبل ، تصنع فيه عسلاً بلا طائرات حوامة.  

***

وجه المعركة:

عاد أبي من الجبهة، لم نعرفه لولا إقدام أمي على معانقته الذي جعلنا نبكي مثلها، وان كنا لا نعرف  لم َتبكي؟

عجلت أمي بحمل إناء الماء ليريح أبي قدميه وفاجئنا أبي بوضع يديه في الماء بدلاً من قدميه.

قال بأن حمل الراية في ساحة المعركة كان أصعب من القتال.

كانت وظيفة أبي في الجيش أن يحمل الراية ويدافع عنها بالكر والفر، وكأنها وطنه بملايينه العشر التي ُجيش نصفها معه.

في الأوقات التي لا إطلاق نار فيها ولا تقدم ولا تراجع، فقط ساسه يهرطقون في مكبرات صوت داخل حجرات مغلقة ومحروسة، يستمر أبي في إنعاش الراية بالهواء كي تبقى مرفرفة، وعندما لا يحصل لها على الريح الكافية ينفخها بفمه ويهشها بيديه.

***

بث داخلي:  

مازالت تظن شراً بالرجلين اللذين نظرا لحليها ولصرة أشيائها في الحافلة الخارجة من بيروجا قاصدة فينيسيا. في كل مرة تروي فيها الحكاية تزيد من جرعة الخوف، فتجعل المستمع يرتاب من الرجلين رغم عدم معرفته بهما. شبّهت صديق ابنها ذات مرة بواحد منهما فشرعت تحكي الحكاية وعينها عليه، حين انتهت كان الصديق محرجاً من نظرات الحضور، استأذن ودخل الحمام، ذهب خلفه طفل صغير وتلصص عليه من موضع المفتاح في الباب، رآه يخرج شيئاً من سرواله الداخلي خاله كالصرة الصغيرة، وفيما عقل الصغير يخرج الصرة ويدخلها، فاجأه الرجل محنيا أمام الباب، شده من قميصه وسأله بغضب : 

منذ متى أنت هنا؟

ارتبك الصغير لكنه أجاب: 

مذ خرجت الحافلة من السروال.

***

الميت الفزاع: 

ألبس فزاع الطيور ثياب الميت التي تصدق بها أولاده عليه، نام مستريحاً تلك الليلة لأن الرجل الفزاع سيقوم بدور حيوي في طرد الطيور. ألفت الطيور الفزاع القديم لكن هذا الفزاع الجديد ستخاف منه أكثر قبل أن تعتاده.

يوم الجمعة عندما زار أولاد الميت قبر أبيهم مروا في طريقهم  برجل الحقل ، فرأوا خيال والدهم يخيف الطيور بعد أن كان يخيف البشر، غضبوا من فعلة صاحب المزرعة وقرروا فيما بينهم أن  يتراجعوا عن الصدقة، وطفقوا ينزعون الثياب عن هيكل الفزاع.

أكلت الطيور كل ما بذر في الأرض ثم حطت براحة على هيكل الفزاع العاري ونقرت حشوة رأسه، غنت بأصوات جديدة قبل أن يصحو الرجل المستريح في نومه على حقله وهو يغرد بلحن جديد.

***

فخ:

كان على رجل فقير من عامة الشعب أن يفسر حلم الملك، رموزه كبيرة وشائكة على ثقافة الفقير البائسة. طلب الفقير مساعدة معلم الملك لكي يتعرف على جوانب من ثقافة الملك التي استطاع من خلالها إدارة دولته بدبلوماسية وذكاء أخاذ، حتى تألفت لديه الرموز التي حلم بها حلمه. ظلّ المعلم يشرح للرجل الفقير حتى صار الفقير أخا للملك في معرفته، حينها دخل على الملك وعبر له الحلم، أمر الملك على الفور بوضعه على الخازوق، قائلاً لوزيره: 

جئت به....جئت به، حتى وإن أخفاه الجهل طويلاً عني. 

***

دجاجة أبي الموفقة 

أبي جاء بأمي من بيت أهلها، لتجيء له بالأولاد، أبي جاء بكل شيء للبيت من أجل تفقيسنا....السرير والمخدات والثلاجة والبوتاغاز وأربطة الشعر والملابس والأحذية والتلفزيون والنوم والالتينا العالمية التي تلتقط البث التونسي وسطل القمامة وما فيه من محتويات والناس الذين يزوروننا كذلك كلما زادت أمي عددنا.

لم يغير الموت بعد أخذه أبي أثاث حياتنا، فقد ظلت الأشياء التي جاء بها إلى العالم كما هي من بعده، فيما عدا الناس الذين توقفوا عن زيارة اليتامى، وسطل القمامة الذي كسرته ركلات أولاد الشارع، والالتينا العالمية التي صودرت بالتشويش، لأنها جعلت اليتامى لا يشاهدون محطات الرئيس.   

__________________________________

كاتبة من ليبيا

الصورة من أعمال المصور السوري أشرف زينة.

زوروا موقعه www.zeinah.net للتعرف أكثر على أعماله الفوتوغرافية المميزة.

*****

خاص بأوكسجين

قاصة وروائية من ليبيا صدر لها العديد من الروايات والمجاميع القصصية منها: "وبر الأحصنة" 2005، و"مضمون البرتقالي" 2008، و"الملكة" 2009، و"الجدة صالحة" 2013. و"زرايب العبيد" 2016 (ضمن القائمة القصييرة لجائزة بوكر)....

مقالات أخرى للكاتب