الهروب السوري العظيم | زياد عبدالله

العدد 177 | 31 آب 2015

الرابعة فجراً، التوقيت مناسب للشعور أن العالم ملك يديك، وما من فاتورة تستيقظ في هذا الوقت وتفكّر بزيارتك ولا اتصال من موظف يتأمل تفاصيل دفعاتك ويبشرك أن مثابرتك على السداد صيّرتك بغلاً مؤهلاً للحصول على رسن جديد متى شئت.

في هذا التوقيت وسكينته الملائكية يمكنك ممارسة بعض تمارين الأسى، وتفقد أحوال من يموتون في سبيل حياة طبيعية يمضونها في العمل وسداد الفواتير ومشاهدة التلفاز وسماع الأبراج وغير ذلك مما هي عليه هذه الحياة الجميلة في تفاهتها. وفي هذا السياق لن يكون أفضل من السوريين ليُكتب لتمارينك النجاح وحضور القول المأثور "من يرى مصيبة غيره تهون مصيبته"، ما سيحدث تأثيرات محببة وعميقة على صعيد التقوى ستشهد حضورها بقوة في صلاتك الفجر، وتطعيم أدعيتك بدعائين أو ثلاثة للأخوة السوريين. 

على كلّ لن يخلو مسلسل الهرب السوري العظيم من الترفيه والتسلية بالنسبة إليك، خذ مثلاً قصة ذاك الشاب الذي هرب سباحة إلى اليونان وهو في هامبورغ الآن، متفوقاً بذلك على فانتازيا مشي المسيح على المياه، لكن من دون مساع لتوريط البشر بالإيمان به ومعجزاته، وما إلى هنالك من متعلقات الرب وابنه وآله وصحبه.

ويروى أيضاً أن محاولات كثيرة لعبور المتوسط دمّرت أسطورة يونس، فقد ظهرت الحيتان من جديد في هذا البحر، وابتلعت السوريين، نادوا في الظلمات أن "أن لا إله إلا أنت سبحانك"، لكنه لم يخرجهم كما فعل مع يونس "صاحب الحوت" ولا نجاهم من الغمّ، بل ترك لأرواحهم أن تصعد حين تجشأت الحيتان، ولم يكن من جنة ولا نار، وبحت أصواتهم وهم يستصرخون بهذه الحقيقة الصاعقة على أمل أن يسمعهم من على الأرض وما من سامع ولا مجيب..

في هذه الأثناء ستكون خمس جثث قد طفت على سطح البحر الأبيض المتوسط، إنها لسوريين وإن لم يكونوا كذلك، ألم يقل أندريه بارو " لكل انسان متحضر وطنان، وطنه الأم وسوريا"، كما أن الموت السوري سعّر من حمى مقارنة خزان غسان كنفاني في "رجال تحت الشمس" بشاحنة الموت السوري في النمسا، بينما كانت حماس تستبدل اسم مدرسة "الشهيد غسان كنفاني" في رفح باسم "مدرسة مرمرة".

وبمناسبة استيقاظ صاحبنا العربي، والمسلم  طالما أنه صلّى الفجر، فيسرنا إعلامكم أنه تمّ الكشف عن خطةٍ جديدةٍ على صعيد اللجوء السوري تتمثل بدخول أوروبا من القطب الشمالي، متمنياً ألا يكون كشف صحيفة "الغارديان" ذلك سيدفع السلطات النرويجية إلى افشال تلك الخطة، هذا وتزامن ذلك مع الكشف عن خطة إعادة إعمار بابا عمرو وافتتاح حديقة كيم ايل سونغ في كفرسوسة وتأكيد كثر أن الثورة مستمرة.

___________________________

روائي وشاعر من سورية صدر له شعراً "قبل الحبر بقليل" 2000، و"ملائكة الطرقات السريعة" 2005. من رواياته: "بر دبي" 2008، و"ديناميت" 2012.

الصورة للفوتوغرافي الفرنسي هنري كارتييه بريسون (Henri Cartier-Bresson‏)‏ الذي يُعتبر مؤسس التصوير الفوتوغرافي الصحفي الحديث.

*****

خاص بأوكسجين

كاتب من سورية. مؤسس مجلة أوكسجين ومحررها. صدر له: "كلاب المناطق المحررة" (رواية، منشورات المتوسط 2017)، و"الوقائع العجيبة لصاحب الاسم المنقوص" (مجموعة قصصية، منشورات المتوسط 2016)، "محترقاً في الماء غارقاً في اللهب – قصائد تشارلز بوكوفسكي" (ترجمة، منشورات المتوسط 2016)،...

مقالات أخرى للكاتب