الغريق | آدم دريباتي

العدد 247 | 6 أيلول 2019

 

من بعيد. أراكِ ترقصين حول العمود المعدني كما يرقص الوطن حول جثثنا. لم أكن أرغب باحتساء الشراب لا أدري ما الذي دفعني لدخول ذلك الملهى، وما الذي جرني إليه، ربما خوفي من البقاء في تلك الغرفة وحيداً، خوفي من الذين رحلوا ومن أشباح الذين بقوا. تحيطين العمود بكلتا يديكِ كما يحيطون أعناقنا ليخنقونا، تبتسمين ابتسامةً مليئةً بالإثارة وتتشبثين بالعمود كما تشبثنا بالمركب خوفاً من الغرق. (كنت جالسة قبالي في ذلك المركب قبل عام من اليوم. كنت خائفةً من الغرق. لم تكوني تجيدين السباحة. ظللتِ طوال الرحلة ترتجفين خوفاً لذا أعطيتك سترتي ونسيتها معك). أتأملكِ، أتأمل حركاتك، ضحكتك الهستيرية وأنتِ تغازلين رجلاً يبدو عربياً تتلمسينه ليحيط جسدك النحيل بذراعه ويقبلك. تحتسين كأساً من النبيذ معه ثم تمضيان معاً. أغادر الملهى عائداً إلى غرفتي.

حين غادرت مدينتي كنت محملاً بالأحلام، كنت أعتقد أنّ الابتعاد كفيل بنسيان الحرب والجوع والفقر وعلياء، لكن أشباحهم لاحقتني. هنا كلّ شيء يبدو منظماً: الحدائق، والشوارع، والبيوت. في وطني كان كلّ شيء عشوائياً إلّا موتنا فالجميع قد نظمه. أدخل غرفتي، أرتمي على السرير وأمسك بوشاحك الأحمر كدمائنا، كشوارع الوطن، أستنشق رائحته رائحة الياسمين والدم والرصاص. (حين سقط المركب لم أكن لأدعك تغرقين كنتِ تشبهين مدينتي كثيراً كان فيك شيء من ملامحها، ذاك الخوف من المجهول، من أن تغرقي كما غرقت مدينتنا بالدماء، من أن تصبحي كمدينتنا وليمة لكل قاطع طريق. أمسكت بك وظللت أسبح، لم نكن بعيدين عن الشاطئ، وكنتِ قد فقدتِ وعيك. ظللت أسبح بك نحو الشاطئ حتى وصلنا). إنها تمطر هنا. تابعت كل النشرات الجوية في الوطن، لقد أمطرت كثيراً هذا العام -ربما كانت السماء تبكينا. تسقط قطرات المطر وتهب نسمات هواء باردة من النافذة وأراكِ مبللة فاقدة الوعي بين أمواج المتوسط. كيف لهذا البحر أن يبتلعنا؟ هو الذي غدا جسراً مذ قتلت الحرب أحلامنا وشوهت الوطن. قبل الحرب كنت أحمل أحلامي الصغيرة معي وكانت كل حياتي قصيدة. جاءت تلك الحرب -لا أحد منا يعرف لماذا أو كيف جاءت- وقلبت كلّ شيء رأساً على عقب: أحلامنا، وآمالنا، والوطن. أصبح الوطن للجائعين منّا يساوي رغيفاً، وللعارين منّا يساوي قطعة قماش، وللشرهين منّا يساوي حقيبة نقود، وللبسطاء يساوي هويةً وضريحاً.

أقف على نافذة الغرفة وأرى أمامي الحارة التي كبرتُ فيها. أرى شجر الياسمين فوق الجدران وأطفال الحي يلعبون في زقاق حارتنا. كيف لفتاة مثلك أن تغدو راقصة تعر!؟

تعود ذاكرتي إلى الوطن إلى أولئك الفتيات اللاتي إن تقاطعت نظراتهن مع نظرات رجل شعرن بالخجل، إلى علياء حبي الأول. كنت أنظر إليها من نافذة الغرفة اتأملها، أغازلها، وأرمي لها الرسائل. كبرنا معاً وارتدنا الجامعة معاً، وسقطت في تفجير ما. تبعثر طوق الياسمين الذي كانت ترتديه دوماً. ركضت وركضت باتجاه موقع التفجير. حين وصلت لم أجد جثتها ولا أي شيء باستثناء زهرة ياسمين كانت قد سقطت من طوقها.

أدير ظهري للمدينة أو للذاكرة وأعود إلى السرير -منذ جئت هذه المدينة توقفت عن الكتابة، وكأنني نسيت قصائدي في مدينتي، وكأن حروفي تناثرت مع آخر طوق ياسمين ارتدته علياء. لا رغبة لي بالنوم هنا.

في مدينتي لم يكن لي رغبة بالاستيقاظ منذ رحيل علياء. أمسك وشاحك من جديد -يشبه وشاح علياء- كانت ترتديه حين سقطت. كأحلامنا أغلق عيني وأرحل باتجاه مدينتي، أمشي في أزقتها الضيقة، أجلس مع الأصدقاء ... نضحك ... نسهر ... نقضي أجمل الأوقات ثم يرحلون واحداً تلو الآخر، وعلياء ترحل معهم، أبقى وحدي والدخان يتصاعد من كل الجهات.

 يرن منبه الساعة. أنهض بتكاسل. أحتسي فنجاناً من القهوة وأطالع عناوين الجرائد. يتحدثون عن المراكب التي تغرق في المتوسط. يتحدثون عن جثثنا التي تغدو أرقاماً. يتحدثون عن أولئك الذين كان كلّ حلمهم وطن ورغيف قبل أن يغدو حلمهم الوصول أحياء إلى شواطئ أوروبا.

اغلق الجرائد والذاكرة وأغادر الغرفة لأمشي في شوارع باريس، مدينة اللوحات والعطور، وفي قلبي كلّ الحنين لمدينة الدماء والياسمين. (التقيتك بعد وصولنا إلى شواطئ إيطاليا كثيراً ولم تنتبهي إلي -كما الوطن. وجئت معك إلى باريس كانت حقيبتك فارغة –كجيوبنا- لكنها كانت ثقيلة عليكِ. كنتِ تحملينها بصعوبة وكأن الهموم والأحزان قد أثقلتها. حملتها عنك قليلاً ثم افترقنا دون أن تنتبهي إلي).

أتأمل المارة في الشارع. امرأة تمشي مع زوجها -أتذكر تلك المرأة الجالسة قرب جثة زوجها تبكيه في الوطن. طفلة تمسكها أمها بيدها -أتذكر تلك الطفلة التي تبحث عن أمها بين الجثث والأشلاء في الوطن. رجل يشتري طعاماً لكلبه -أتذكر الأطفال الجياع في الوطن. تخرجني من ذاكرتي ياسمينة مرمية على الرصيف احملها بيدي كطفل صغير وأربت عليها، ربما تفتقد راحة يد دافئة تحملها كما أفتقد حضناً دافئاً يخفف غربتي. تذكرني بعلياء وطوق الياسمين. تذكرني بآخر ياسمينة سقطت من طوق علياء وسقطت معها كلّ أحلامي. أستدير عائداً إلى غرفتي، إلى وحدتي القاتلة بلا علياء وبلا مدينتي. وحدهما وشاحك وزهرة الياسمين يؤنساني في غربتي -كيف لي أن ألتقيك كلّ تلك المرات دون أن نتبادل حديثاً واحداً؟ دون أن يقول أحدنا كلمة واحدة؟ دون أن أعرف اسمك أو تعرفين اسمي؟ (كان المركب يهتز مع الأمواج العاتية. كان البعض يصرخ: "سنغرق! سنغرق!". كانت الأم التي تحمل طفلها تناشد الله وتتوسله أن ينجو طفلها. كان الجميع خائفاً والصراخ عمّ المركب. وحدك ظللت صامتة رغم أنّك الوحيدة التي لا تجيد السباحة. هطلت بضع دمعات من عينيك وبعدها انقلب المركب بنا. لم تقاومي. بقيتي ساكنة وتركتي للبحر حرية ابتلاعك. ظللت أسبح باتجاهك حتى أمسكت بك. كانت الأم تحاول النجاة بطفلها وكان الجميع يصارع المياه، كلّ منهم كان يحاول أن يخط وصيته، أن يبعث مع الموج رسالة ما لأولئك الذين تركهم في الوطن. وحدك لم تحاولي خطّ وصية ما ولم تكترثي للمياه. ربما كنتِ محقة فمن أحرقته نيران الوطن لأربع سنوات متتالية هل سيخاف المياه؟ جميعهم غرقوا بالبحر، إلّا أنا وأنت غرقنا بخيباتنا العربية وغربتنا. جميعهم تحدثت نشرات الأخبار عنهم دون أن يتحدثوا عن أنّ نشرات الأخبار ذاتها كانت السبب بإغراق الوطن في الحرب منذ سنوات متسببين بغرقهم في ذاك اليوم).

شيء ما في هذه المدينة يشعرني بالضجر والحزن. يهطل المطر مجدداً هذا النهار. أفتح حقيبتي الصغيرة وأتأمل الصور القديمة التي تلف معظمها حين انقلب المركب بنا. (وضعتك على الشاطئ وارتميت قربك بانتظار وصول بقية الناجين. تأخروا بالوصول كثيراً وحين وصلوا لم يصلوا حقاً كانوا قد أضاعوا أرواحهم في البحر. رأيت حقيبتي من بعيد. ركضت لإحضارها وحين عدتُ كنتِ قد اختفيتِ كما الفرح). أتأمل صوري مع علياء وصور الأصدقاء جميعاً، أحمد الذي غادر قبلي ولكنه حتى اليوم لم يصل، وغسان الذي رفض أن يغادر الوطن واتخذ من أحد المقابر سكناً دائما له، وأمجد الذي اختفى فجأة ولم يعد له أثر، لحظاتنا الجميلة كم تصبح مؤلمة حين تتحول إلى ذكرى. أرتمي على الأريكة وأشاهد التلفاز. تمر بي أشباحهم. تحدثني عن الوطن. عن المحرقة، عن العدو والأخ والصدق والطعنة الواحدة. تأتي عليا، تقبلني قبلة الجبين كما في الوطن، تهديني آخر زهرة ياسمين وترحل. أمسك وشاحك الأحمر وأستنشقه. أضمه إلى صدري وأنهض لأبحث عنك، عن ملامحك التي تشبه مدينتي، عن ابتسامتك الحزينة كابتسامات أطفالها.

أدخل الملهى وأراك ترقصين حول العمود كما بالأمس، أراكِ تخلعين ثيابك قطعة تلو أخرى. تتعرين على الملأ كما الوطن. أتذكر اولئك القتلى في الوطن. أرى جثثهم مدفونة في جسدك، في خاصرتك جثتان، في صدرك عشر جثث، في ردفيك سبع جثث، في شفتيك جثة وأشلاء، في عينيك كلّ الجثث. في كلّ جزء منك مرمية جثثهم معصوبة الأعين مغلقة الأفواه وأيديهم مقيدة خلف ظهورهم، يتوسلون... يصرخون... ينادون... ولا أحد يسمع. تغلقي أذنيك وترقصين فوق جثثهم كمدينتنا. ألملم ثيابك. سأغطي جثثهم. سأغطي أجسادهم العارية، وآثار التعذيب في عيونهم، وآثار الياسمين في راحات أيديهم. عيونهم تلاحقني اليوم. أرى أحمد وغسان وأمجد وعلياء ورجل لا أعرفه والمرأة التي غرقت وطفلها. أرى جدي ومعلمتي في المدرسة الابتدائية وصديقي الذي كنا نتسلق الاشجار معاً. أرى الحي، شجر البرتقال والزيتون، وأغصان الريحان وزهر الياسمين. أرى مدينتي والقلاع والبحر والجبال. أرى الوطن واركض باتجاهه أو اتجاهك، لا أعرف.

سأغطي جثثهم اليوم في جسدك. سأغطي الوطن في جسدك. سأغطي جراحهم النازفة في جسدك. سأغطي التاريخ والحاضر في جسدك. أشعر بألم يشلني من كل الجهات، أيد تحاول أن تبعدني عنك، كدمات تغطي وجهي كما وجه الوطن. أتشبث بحقيبتي الصغيرة، بصورة علياء، بآخر زهرة ياسمين سقطت من طوقها. أتشبث بالموج، بخطى الذين غرقوا قبلي. المرأة فقدت طفلها... سترتي تطوف وحدها... القارب مقلوب رأساً على عقب... جميعهم يتخبطون بالماء.. جميعهم يحاولون النجاة... وأنا وحدي، أحاول الغرق.

*****

خاص بأوكسجين

معلومات الصورة
الصورة من أعمال الفنانة الجنوب أفريقية سيسلي شاش (1924 - 2019)