الضائع صاحب الخنصر ذو الظفر الطويل | عبدالنبي فرج

العدد 246 | 1 آب 2019

كان ينمو أمامي في الشارع، منذ عادت به أمه من القرية المجاورة التي تزوجت بها: "حتة لحمة حمرا".

*طُلِّقت، بعد أن فقأت عين سلفها الأحمق، الذي قال لها في وجهها: "يا شرموطة فضحتينا"، ثم تنازل عن المحضر بسبب الخوف من شرها المتأصل في أعماقها، وجسارتها المخيفة. أخوها سعيد أبو دقة ترك لها غرفة على الشارع، منفصلة عن البيت، وحلف طلاق بالثلاثة من امرأته "ما تعملي مشكلة لأكون ممزعك بالمطوة." قامت على حيلها وقالت "الطلاق ده تحلفه على مراتك"، وقالت "ورحمة أبويا أخصيك، وأخليك عبرة".

*سعيد أصبح زي الطور الهايج، وجري زي المجنون فوق الدور التاني، حيث الفردة والشوم والمطاوي، وعدة الجزارة التي ورثها عن المرحوم، ولم تتأتَ الفرصة لاستعمالها، "ولكن ملحوقة"، هكذا قال.

الزوجة ضربت صوت جاب الجيران وجيران الجيران، سرعان ما نزل وهو مسلح "محدش يقرب مني، اللي خايف على عمره يبعد عني"، صوته مرعب، وروح قاتل تزحزح الجموع، فسقطت زوجته في حالة إغماء، فكانت فرصة لسيدة لتقول "الله يرحمها". جسمه تهدل ورمى السلاح وحمل زوجته، وفي لحظة كانت السيارة تقف على الباب، تحركت السيارة ودخلت هي غرفتها عادي وأخذت ترضع ابنها.

ينمو الطفل وكلما مر عليّ أجد لديه طاقة غضب وعنف رهيبة، وتضاعف في داخله ركام من الغضب واليأس لعشرات الأسباب.

*وهو صغير، كانت به طيبة حد السذاجة، ويقال إنه حملها من جدته أم أبيه، التي كانت طيبة بإفراط، سيدة على باب الله، وأبوه أيضا كان نسمة، ولم يعرف ناس البلدة كيف لم الشامي على المغربي؟ ولكنها مكاتيب وأقدار وقِسَم، حتى أن أمه كانت عندما تلمح هذه البلاهة ـ كما تسميها ـ تسلخ جلده، قرص وعض وباللكمات، وهو لا يعرف لماذا؟ يا "ابن الوسخة، انزع الطيبة هذي من قلبك سيأكلون غداءك".

- تكوينه البدني ضخم، لذلك تعامل معه أهل البلدة على قد جسمه، وليس سنه.

- يتصور أن جسده الضخم يجعله قادرا على هزيمة الخصم، وهذا كان خطأ بشعا، لماذا؟

- الذي يضرب العقل والقلب الجسور، فكم بنية نحيفة هزمت جسما ضخما .

كان يملك جسد فيلٍ، وقلب عيل طيب غلبان.

المصيبة الثانية:

* صوته كان "جعورة" مستفزاً فمجرد أن يرد على أحد يجعل الآخر يضربه بالقلم علي وجهه أو يضربه كم "شلوت". ويذهب إلى أمه مبربر، ويجعر بالعياط فتترك أمه فرشة الخضار الذي اشتغلت عليها أمام البيت، تقوم هي الأخرى وتعجنه علقه لأنه لا يسمع الكلام ويتركها ويصيع في الشوارع، أو تنتفض وتذهب لبيت من ضربة وتشيل عليهم روبة .

* تركيب وجهه يجعله شريرا، عيناه جاحظتان، وفمه واسع، دائماً مفتوح، وجهه كله علامات، حواجبه كثيفة، مما يجعل أي انسان يرتبك ويخاف منه ويدافع عن نفسه تجاه هذا الخوف.

* أول سرقة قام بها "اتمسك" وتم حرقه بالسيجارة، ولم يجرؤ على أن يقول لأمه .

* عندما دخل المدرسة، كان أي مدرس يدخل وأول ما عيناه تصطدم به تنشأ عداوة غريبة لدرجة أن مدرس الرياضيات ظل يضرب فيه حتى كسر له ذراعه، وبعدها خرج من المدرسة ولم يعد لها مرة ثانية.

* أمه نفضت يدها منه وتركته في الشارع واهتمت بأكل عيشها، وهو يظل مقذوفا في الشارع، مع ضائعين مثله، يخطفون، ويسرقون، ويضربون.

* في أول سرقة كبيرة قام به مع الرفاق اختلفا بعد أن حاول واحد منهم أن يستحوذ علي القسم الأكبر ويترك لهم الفتات، فانطفأ داخله الفرح! فلأول مرة يقوم بسرقة كبيرة بهذا الحجم ولأول مرة في حياته يرتب رغبات، وتتدفق داخله أشواق وأحلام مما جعله نشوانا ولكن قسوة الكبيرة قذفت به إلى اليأس والغضب فغرس المطواة في بطنه. عدة طعنات دخل إثرها المستشفى ولأن ربك رفيق بالضائعين فطاب جرح الكبير وخرج من المستشفى في 11/9/ 2005

* لا أحد يعلم قسوة السجن مثلي أنا! فقد دخلت السجن لسبب تافه جدا لا يستحق ولكن الغباء المتأصل داخلي الذي يجعلني أهدر روحي في مواقف عبثية.

* البعض يتصور أن الموضوع سهل وأنك ما دمت رجلا تستطيع أن تحمي ذاتك جيدا وهذا غير صحيح ، أنتم تذكرون الشاب الذي ربطني في الكرسي في أول القصة، هذا كان الحامي لي من المساجين، وقد كان متهماً في قضية قتل وأنا داخل رأيته رجلا كبيرا قاعدا على فرشة نظيفة، وباقي المساجين، مكومين في نصف الزنزانة. كان عليه مهابة، اقتربت من مساحة فارغة، ولسه هقعد فوجدت بغلا يأمرني:

- قوم ياد يا بن الوسخة من سمح لك تقعد؟ وضربني على وجهي بالكف المرزبة، حتى أن الدنيا أظلمت فعلاً لدقائق..

* وقفت جوار الحائط أرتعش وأن أشعر بالخزي والخذلان، حتى قال لي الرجل

- كفاية كده تعال..

- سرت واقتربت منه ثم توقفت ..

- تعالى اقعد ,,

بقيت واقفاً خائفا من أن يكون فخا لي، ولكنه نظر إلي وشخط

-أقعد..

 فجلست

- انت ابن مين؟

- ........

- طيب أنا بقي يا سيدي عمك عبد الفضيل البرقاشي. تعرفه؟

- أيوه إنت تركت البلد من يجي عشر سنين وشكلك اتغير خالص!

- أيوه كنت بالبس بنطلون وقميص ودلوقت لابس جلابية فلاحي، الحياة كده لازم نتوقع منها أي حاجة، موت، مرض، ضرب، قتل، فرح، حزن الخ، إنت زعلان ليه؟ فك معلش!

 وهكذا عشت في حمايته حتي أخرجني المحامي بعد التصالح يوم الاحد.

* ماذا يمكن أن تفعل وسط مسجلين، قتلة، لصوص، قوادين، شواذ. نعم سيتم تشويهك والتعليم عليك بدون أن تستطيع فعل شيء، ليس أمامك إلا الانتحار، حتى دي صعبة، أنا شفت عنف في السجن خرجت منه حسن السير والسلوك، زي الألف.

* طبعا أنتم عايزين تعرفوا سبب دخولي السجن! الموضوع بسيط أنا اشتريت عجلة بالتقسيط ووقعت على كمبيالات وكل شهر أدفع عادي وفي يوم تكاسلت في الدفع فأرسل لي صاحب محل العجل علي القسط الشهري. أنا كبرت في دماغي وطردت ابنه ،ازاي ابن العرص ده يبعت لي يطالبني في مبلغ تافه كده وأقسمت يمين ما انا دافع ويوريني هيعمل إيه ، روحي يا أيام عودي يا أيام لقيت البوليس مقتحم علي البيت ويا حيط داريني .

* خرج من السجن نهاية 2008 ولم تتوفر لي معلومات إلا واقعة حكاها لي قريب له من جهة الأم . قال:

" عندما دخل السجن، تحرش به بعض المساجين فدخل معهم في خناقة وكان سلاحه أظافره الطويلة خاصة ظفره الإبهام الذي كان يشبه الخنجر، فشرطهم وعلّم على وجوههم. وعندما تمّ التحقيق معه اتهمه المساجين بأنه يحمل موسى في فمه. تم تفتيشه وتفتيش الزنزانة فلم يجدوا شيئاً، لذلك خرج منها وظل في طوال فترة احتجازه في القسم محميا، إلى أن تم ترحيله إلي سجن القطا دون واسطة القريب من البلدة واختفت أخباره تماماً".

* خرج أكثر نضجاً وقوة ومهابة، ولكن عندما قابلته أول مرة مع أني كنت خائف منه إلا أنني عندما نظرت إلى عينيه قلت إنه مشبع باليأس ثم دعوت الله ألا أصطدم به في شغل أو على مقهى .

* فتح محل مساحته محدودة أقرب لكشك وكان يبيع فيه صواني بسبوسة وجلاش وكنافة وبلح الشام وحصّل نجاحاً غير متوقع.

* كان روتين حياته معروفاً، المحل، البيت، أصدقاء محدودون يثق فيهم، يجتمعون في أماكن متفق عليه ويشربون البانجو والحشيش.

* بعد النجاح الذي حققه بدأت الغيرة من الجيران. وبدأوا يضايقونه.

* مثلا الجيران يغسلون الأرضيات بالخرطوم وتصب المياه أمام المحل، ولا يعرف ماذا يفعل؟ يظل صامتاً وهو يرى المياه تتكوم أمام المحل، والغل والغضب يمور داخله.

* يبتسم ابتسامة صفراء وهو يشكو للحاج من المياه ،فيقول بكل برود وأنت برأيك أشرب المياه ولا أبطل أنظف بيتي؟

* تم رمي زبالة! فحصها، فعرف إنها من الجار، فاشتكى مرة ثانية فخرجت زوجته وابنته وغسلوه شتائم.

* في 15 /6/2009 / كسر رجل الحاج وفلق دماغ ابن عمه وهرب.

* تم حرق المحل ودلق الحلويات في الشارع وتطبيق الصواني، وبحثوا عنه في كل مكان.

* سلّم نفسه في 31/9/ 2009 لنقطة وردان وتم ترحيله لقسم إمبابة، وحكم عليه بالسجن 6 أشهر مع النفاذ

* خرج من السجن في بداية 2010 محطما.

* عرضت عليه أمه أن يعمل معها في مقابل مصروف يومي محدد وقد وافق.

* يظل جالساً بجوار السبوبة يعفر سجائر شاردا لا يكلم أحد أو أحد يكلمه.

* يرى ويسمع تفّور الدم في عروقه، يقابلها ببصقة وزيادة في تدخين السجائر. وبدأ يتخانق معها على أسباب غير الأسباب وموضوعات غير الموضوعات ويسب "سنسفيل أبوها" وفي النهاية لم يجد فائدة، فرأسها أشد صلابة من صخرة، لذلك التزم الصمت وهو يضمر شرا متحينا الفرصة ليقطع رأس الأفعى بضربة واحدة، ضربة مميتة.

* البعض سيتصور أن مأساته وليدة مجتمع قاسٍ وأم فقرية وهذا قد يكون صحيحا. وقد يكون خطأ في النهاية. هناك أفراد وهم الفئة الغالبة في هذه الحياة يتم قذفها في الجحيم الأرضي، إنها مثل سائق يرجع بسيارة فيصطدم بسيارة، يندفع للأمام فيضرب رجلا ويرميه أرضاً، ينحرف يسارا فيصطدم بحائط ينحرف يميناً يسقط في بلاعة أنه سائق وهذه مهنته ولكنه مرسوم!

* في يوم كنت جالسا ومروق تمام وبشرب شيشة، لقيته محود عليً ودون أن يسلم أقترب مني وقال: "أنا عايز اموت"، قالها بحرقة وانا فهمتها خطأ بأنه يريد أن يموتني، قلت مفزوع: "أنا عملت لك إيه يا جدع أنت، أنت اتجننت"، شاور بيديه علامة يأس وقال: "أنا بقولك أنا عايز أموت.."

صمت لحظة وقلت: ليه إنت لسه شاب والحياة قدامك ودمعت عيني.

قرفص أمامي وقال:

"حلمت أني منتظر جنازة ولما حاذاني الكفن، توقفت المسيرة ودون أن أقول أجرني سحبني شاب أسود سمين وقال لى "شيل". كان الكفن الأمامي بيد واحدة عكس كل الأكفان الذي أعرفها، ذهلت وحملت الكفن وكان ثقيلا وكأنه معبأ بالحديد وليس جسد إنسان، تعبت بعد عدة خطوات وأخذت أبحث عن أحد ليجيرني ويحمل عني الكفن ولكن لم أجد، صعبت علي نفسي، لذلك بكيت، ثم انهرت وبركت على الأرض، فتجاوزني المشيعون ووجدت نفسي وحيدا في الشارع ودرجة الحرارة عالية فشعرت بالذنب أنني لم أصبر على حمل المتوفي وأن المؤكد أن نظرة الناس لي ستتغير وإنني لست الرجل الذي يعرفونه."

* في يوم كانت أمه جالسة مع جارة، وكانت السيدة تحكي واقعة حدثت لها.

*أ"نا كنت رايحة يا سعاد يا ختي عند أبويا وأنا لازم وأنا رايحة أحمي ابني حمادة وألبسه بدلة الظابط ومريت عليه وقلت، اتسرق منه عشان ما يشوفنيش ولكن ابن الحرام شافني، قلت أزيك يا خال عامل إيه، قال كنت أسألي على خالك وسلم عليه ومسك إيدي مش عايز يسبها لما أيدي عرقت، قلت سلم على جدك يا حمادة، ترك حمادة وبص له وقال الواد حلو مش عارف طالع لمين ؟ وانت شبه أم قويق وأبوه شبه الجيص وأخذ يضحك هيء هيء هيء، سيبته يا أختي ويدوب وصلت بيت أبويا والواد حمادة يا اختأأأي يتمرمغ في الأرض وكأنه شارب سم، ركبت في عربية لوردان ودخلت ع الدكتور عبد الستار: إنجدني يا دكتور، الواد هيروح منيٌ، أخذ مني الواد وأخذ يقلب فيه، وقال لي مفهوش حاجة يا ست، وكتب دوا، رحت جبته وأداه حقنة، الواد سكت، شفت العين، العين فلقت الحجر".

* لم تكن تسمعها.كانت عينيها مسلطة على ابنها الذي رأت عينيه تطق شررا، ثم انسحب، ودخل الحجرة التى ينامان فيها وبعد فترة خرج في سرعة البرق ورمى عليها جازا وأشعل فيها النار وهي تصرفت بثبات وخلعت الجلابية بسرعة فظهر عريها للعيان لأنها لم تكن ترتدي شيئا سوى الجلابية على اللحم، ورمتها بعيدا عنها وجرت جارتها وأحضرت كوز ماء وقالت: "اتجن خلاص ملهوش إلا المستشفى، دا لو ابن حرام ما يعملش كده في أمه". دخلت أمه وارتدت جلابية جديدة، وخرجت ووجدت جمع من أهل البلد فبصقت عليهم وجلست بجوار الخضار صامتة.

* ترك البيت وعمل حارساً لأرض المعلم عبد الصمد درويش وكانت هذه الفترة الأكثر ازدهارا في حياته، يأكل جيدا، الشراب متوفر، يعني في النهاية الحياة لعبت معه والقرش جرى في يده. يسهر الليالي مع أصوات المطربين، وفي يوم سكر طينة فصار يسحب زجاجات البيرة من الصندوق ويرميها ثم يصطادها بالطبنجة. ترك الحديقة في فمه سيجارة وفي يده زجاجة البيرة وصوت المزيكا يتبعه وهو يتطوح ويغني لبحر ابو جريشة:

يا عيني عالغريب

يا عيني عالغريب

غريب في الدنيا يابا .. ويا عيني عالغرب

بتوه في دني غريبا .. دنيا ملهاش حبيب

ويا عيني عالغريب

ويا عيني عالغريب

ويا عيني عالغريب.

فاصطدمت به سيارة هشمت رأسه وداست عليه فتوفي على إثرها في الحال.

 

*****

خاص بأوكسجين

معلومات الصورة
الصورة من أعمال الفنان ليون كوسوف (1926 - 2019)