الشعرة التي سقطت من أنف الملك | زهير كريم

العدد 219 | 1 تشرين1 2017

كان مدير التشريفات الملكية حذرا، تماما  مثل جندي  يواجه  معركة  لايعرف  عن خصمه فيها  شيئاً، ولقد انتقى الكلمات في أول اجراء له بعناية وتكثيف عالي، جمله القصيرة  التي أراد أن يعبر  فيها عن واقعيته  وجديته  التي كانت في أقصى درجاتها، حسنا،كان  الرجل حازما  حقا  في تمرير خبر الواقعة التي يمكن أن  تتحول  الى  كارثة  حقيقية  يستطيع  بخبرته  وحده  أن يحدد  الحواف  البعيدة  لتأثيرها.  و منذ الساعة  السادسة  صباحا، دخل  بكامل قيافته  الرسمية  إلى الصالة، وكان العاملون في القصر بكل اختصاصاتهم  قد وقفوا  قبل ذلك  في صف على شكل قوس كبير، وكان هو  مستقرا بثبات وتوتر، الحقيقة كان يقوم بدور السهم في القوس. حضر الطباخون من الطبقة الاولى والثانية  والثالثة ومساعدوهم وفريق الخدمة الملكي، المتذوقون،وهم فرقة  يشبه عملها عمل الانتحاريين، فقد كانوا يذوقون طعام العائلة المالكة وشرابها تحسبا  لأي محاولة شريرة بدس السم أو أاشياء أخرى مضرة صحيا، كان في الصف، المنظفون بكل طبقاتهم ومديات تحركهم، عناصر  المراقبة  الالكترونية  وكانوا  في مواجهته تماما، والشمامون _وهؤلاء بالطبع  ليس من فريق المطبخ، بل من عناصر الأمن  الخاص، الى جانبهم  يقف  البصاصون  وهم  كذلك فريق  أمني متخصص بالرصد الفيزيائي للحركة  داخل القصر  وفي الحدائق _أيضاً،حضر  طاردوا  البق  وهم  أفضل الخبراء في هذه المهنة الخطيرة والتي تحتاج  لمهارة وصبر شديدين، وشافطو الروائح  غير المحبوبة، وكانوا يتمتعون بفتحات أنوف كبيرة، ويتمتعون  بحاسة  شم  أفضل حتى من الكلاب. وقف في القوس أيضا منزهو الكلاب  وسائسو الخيل  ومدللو  القطط، وماسحوا  الزجاج  الذي  يحمي صور  العائلة  المالكة  من الغبار  او  من التغيّرات التي  تطرأ على  درجات  الحرارة داخل  الصالات  والغرف، كذلك  حضر  لهذا  الاستدعاء الطارئ خبراء صب ّالنبيذ في الكؤوس  الملكية  النفيسة، وهم فئة من الخدميين الذين  توارثوا  هذه الوظيفة  أباً عن جد.  كان هناك أيضاً ملمعو  الشمعدانات  وحراس  المقتنيات  الملكية، تلك الكنوز  التي تركها  الأسلاف، مثلا  الأوراق  الخاصة  الرسائل  والثياب  ولعب  طفولة  تبدو غريبة  ومضحكة  لكنها رغم ذلك  هي إرث ملكي وهنا تكمن أهميتها، وبالطبع، حضر المهتمون بالأعمال الفنية الكلاسيكية التي لا يوجد لها مثيل  في أيّ مكان آخر في العالم، التحف التي  يجب  أن يعتني بها متخصصون على درجة عالية من الخبرة والحرص. على أية حال، كانت  أنفاس الجميع  مقطوعة، خاصة  أنفاس أولئك الذين تتركز  طبيعة عملهم  داخل الفضاءات  الداخلية التي يتحرك  فيها الملك بشكل دائم، حيث أن  طبيعة عملهم تقتضي أن يمضي  كل منهم طيلة  النهار وبعض من الليل  للعناية بالتفاصيل  الصغيرة داخل  الغرف والصالات الملكية، وفي  تلك اللحظات  العصيبة،  كان خيال الجميع  في أقصى  درجات النشاط،  حسنا،  لابد أنهم  _ ومن أجل  تخفيف  التوتر _   اقترحوا  صورا عديدة    تتعلق بالخطأ الفظيع الذي  يمكن  أن يكون أحدهم  قد اقترفه، وكان كل منهم يحاول أن يجد بين المصطفين متهما  يلصق  به  الجريمة، هذا الامر كان سهلا على كل حال، وبالطبع  لن  يحتاج  أيّ منهم سوى أن يبحث في قلبه عن أيّ ضغينة، ضغينة صغيرة  حتى يحدد من خلالها الشخص المطلوب ثم يسدد التهمة إليه مباشرة، وبهذا ينتهي من عبء البحث وثقل  الشك: اسمعوني جيدا. نطق  مدير التشريفات الملكية، فارتعشت الأجساد، واضطربت القلوب  وتجمعت  الحواس  كلها لإسناد  الأذنين كي تبدو أكثر استعداداً  لتلقي  الكلمات: إن  أمراً  مروعاً  حدث  البارحة  مساء، حسنا، دعوني  أؤكد وبشكل دقيق أن  حياة  الملك  بسبب هذا الأمر على حافة  الهاوية. ثم توقف  للحظة  وجيزة، ربما  ليختبر التأثر  النفسي  على قوس العاملين، أو ربما ليضع الجميع أمام مصائرهم بشكل حاد، أو أن ثقل الكلمات جعله مجهداً فعلاً ولا يقوى على دفع الجمل بشكل انسيابي، لكنه أيضا، أراد للأمر أن يكون  على شكل جرعات حتى لا يسقط العاملون جميعاً مرة واحدة من الخوف، أو هول ما يخبئه المستقبل من وقائع، أو من الاحساس بالعجز العاطفي وهم يشاهدون ملكهم يسقط في الهاوية، وفي الواقع، كانوا  بمختلف أعمارهم  واستعداداتهم  النفسية على وشك الانهيار فعلا، لم يعد أي منهم يثق بحدسه، رغم ذلك، كانت هناك طاقة كامنة من أجل هذه اللحظة  بالذات، حررتها  كيمياء الوقائع العظيمة من خمولها، تحركت من كهوفها  البعيدة لاسناد أجسادهم المتداعية لكي يستمر تلقيهم للكلمات الحزينة الصارمة في ذات الوقت، تلك التي كان ينفخها الرجل الذي كان بمثابة السهم في القوس، رغم أنه كان يقول كل شيء بصعوبة وبالقدر الذي كان قد بلع فيه ريقه مرات عديدة، وقبل أن يضيف:   وعليكم أن تدركوا الكارثة التي نحن بانتظارها. ازداد اضطراب صف العاملين، سقطت المرأة  المسؤولة عن تنظيف السجاد مغشيا عليها، لم يتحرك الآخرون  لمساعدتها، اكتفوا بالقاء نظرة  مواربة، وعادوا إلى قيامتهم التي لا يعرفون متى  تنتهي. أمر المدير أحد الطباخين بمعالجة أمر المرأة، نفخ في وجهها، صفعها عدة صفعات، ثم أخرج من جيبه رأس بصل، حشره في فتحة  أنفها بطريقة خرقاء ومضطربة، استفاقت، فساعدها على النهوض، ثم وقفت نصف ميتة  في مكانها وكانت مهيأة تماما لتلقي ضربة لن تنهض بعدها : في الواقع،  أكمل مدير التشريفات  الذي لم يكن في حالة جيدة إطلاقاً، بل إن القلق جعله هو الآخر يظهر بوجه ذابل  وعينين  حمراوين وشفتين يابستين، لكنه كان مستعدا رغم ذلك لترك السهم ينطلق باتجاه الهدف: لقد سقطت شعرة من أنف الملك، نعم سقطت البارحة بعد متتصف الليل، وهنا  في الصالة  الرئيسية، وأنتم  تعلمون الخطورة العظيمة لمثل هذا الحادث، وتدركون أن الأشرار يمكن لهم  بالطبع استخدام هذا الشيء العزيز في أعمالهم المنحطة، وتخيلوا  أن يقع جلالة الملك تحت  شر السحر وعبث الجن، حسناً، أريد أن أؤكد أيضا أنه ليس لدينا سوى خيار واحد، خيار واحد لاغير، وهو  أن نبحث عن شعرة أنف الملك حتى ولو في بطن نملة، أوفي نسيج  شرشف قديم، أو في خلل  الهواء، نعم علينا أن نفتش الهواء، هواء الفناء الداخلي ونمنعه من التسلل إلى الخارج، علينا أن  نفتش في أحواض السباحة وتويجات الازهار ولحاء الأشجار كذلك، والحقيقة أننا جميعا أمام  مصير سيء، حقا، سيكون مصيرنا سيئا، وعلينا أن نفعل  المستحيل من أجل تغيير هذا المصير.

تصاعدت همهمة من الصف، ثم  رفع  الكثيرون رؤوسهم لأول مرة، وظهر شيء من الانبساط، بالطبع يظهر مثل هذا الشعور على الأقل بسبب أن الجميع قد عرفوا بالضبط  ماذا عليهم أن يفعلوا، صحيح أن الأمر في غاية الخطورة كما أكد مدير التشريفات، ولكنهم   سوف يعملون بكل الطرق المبتكرة  لمنع  الأشرار من استخدام شعرة أنف الملك في أعمال السحر والشعوذة. وفي الحقيقة لم يجرأ  أحد على طرح فكرة  الحصول  على أيّ شعرة  وتقديمها على أنها الشعرة المطلوبة، بالطبع  لقد مر مثل هذا  الخاطر في ذهن البعض، حسنا، لم يكن من الممكن إطلاقاً ان يفعلها، أي من  هؤلاء الذين كان مصيرهم معلقا  بشعرة أنف، شعرة صغيرة في الواقع اختفت في مكان ما من هذا  الفضاء الواسع  للقصر. وكان من الطبيعي أن يصبح  الجو أكثر توتراً، والخوف أكثر المشاعر توهجا.

 عندما مرت الأيام  الثلاث،  ولم تكن هناك نتائج واقعية للبحث،حصل أحدهم  على جزء من جناح ذبابة، بعد الفحص تأكد أنه كذلك، في اليوم  الثاني وجد الطباخ شعرة، اكتشف الخبير  أنها مجرد خيط  يتعلق  بورقة  شاي، للحقيقة كانت هناك بعض اللقى التي استخدمت في الحصول عليها عدسات مكبرة  وآلات أخرى أكثر تطوراً،  لكن  الشعرة  لم تكن من ضمنها،  ثم تسلل أمر الشعرة إلى الخارج، خاصة وأن صحة  الملك  قد ساءت  لسبب غير معروف. كان  الخبر مقلقا فعلا، وتم اعتقال السحرة والمنجمين في المدينة، تم التحقيق  معهم، لم تكن ثمة نتائج مشجعة، بالطبع تم اعتقال الكثير من الناس بتقارير كيدية، اتهامات مكتوبة بغيظ وكراهية، تتضمن تورط هؤلاء في اقتناء وتداول كتب شعوذة وتحضير أرواح وما شابه، ثم تطور الامر  في اعتقال آخرين لأسباب  غامضة،  ولقد استنفر أثناء ذلك جهاز المخابرات والاستخبارات العسكرية وقوات الشرطة، وأجهزة  مكافحة الكوارث وقوات الدفاع المدني والقناة المحلية التي فتحت خطوط خضراء للتبليغ عن شعرة يشتبه أنها  شعرة أنف الملك، وكان الشعب  في اليوم  الخامس والسادس  قد انشغل  بكامله  في البحث  عن الشعرة، ثم فتحت مختبرات متنقلة في عموم البلاد تسهيلا  للاجراءات،  وبالفعل، تعطل كل شيء في البلاد، واستخدمت الكاميرات الكبيرة  لمراقبة الهواء والطائرات المتخصصة المزودة بأجهزة حديثة تشبه التلسكوبات، ثم حدثت في اليوم السابع عاصفة،  ريح هزت الأشجار والبيوت، وظهر مدير التشريفات الملكية مساء على شاشة التلفزيون  الوطني، قال وهو ينشج ويمسح انفه بمنديل اسود: مات الملك، ولاشيء آخر يمكن فعله  سوى أن  نودعه، نودعه هكذا، بينما شعرة أنفه لم تزل في علم الغيب. والحقيقة أن بعض الرجال والنساء من عامة  الشعب خلال اليومين الماضيين، كانوا قد حصلوا بالفعل على شعرات عديدة، حملتها العاصفة ربما من أماكن بعيدة، قالوا إنها شعرات أنف، وربما  كانت  أي منها، هي نفسها التي  سقطت في تلك الليلة  المشؤومة من أنف الملك.

*****

خاص بأوكسجين

قاص وشاعر من العراق، من اصدارته "ماكينة كبيرة تدهس المارة" 2016

معلومات الصورة
الصورة من فيلم "باترسون" للمخرج جيم جارموش ويمكنكم الاطلاع على قراءة عن الفيلم في زاوية "سينما"