الشرُّ في يدي | محمد رشو

العدد 211 | 2 أيار 2017

1

 

اليدُ عمياء وتعوي

على العين

يليها نملٌ يزحف تحت الجلد

يليه صفيرٌ

حاد من لسان أفعى

يفحُّ في جوف العظام أو

لا شيء من ذلك بتاتاً

بل أقصد الألم كما ينبغي

حين يخدّرُ الكتفَ أيضاً

حين العالمُ يختفي في رهبةِ حدقةٍ ميتة

 

ما من رعاعٍ في هذه البلدة لكن

الأجراس لا تكفّ ليلاً في مداخل الحدائق خلف البيوت

وكلما مرّ الوقتُ

تركَنَا في إثره

في عتمةِ ندمٍ أبيض لا نعرفه

 

ستطولُ الحربُ حتى يتعوّدُ العدو

الحياةَ مع العدو

لن يفكّر أحدٌ كم خسر آخر

سنصبح سعداء حين نخطئ مكان الألم

ونتوهمّه في مكانٍ آخر

 

الرأس مصابٌ بحكّةٍ لا تهدأ

الإهاناتُ تتحرك بين جذور الشعر بأقدامٍ لزجة

وتنزلق على المائدةِ

جافةً تحت الأظافر

 

الكراهيةُ التي ننكرها كلما تحدّثنا عن الحبّ

 

ليس نوماً سيئاً

بل شبحُ مدينةٍ قديمة

يُفسد الهواء أينما حللتُ

ليست النجوم تسحبُ خلفها الأذى

بخيطٍ من الموسيقى

لكن

هذه الذكريات.

 

2

 

لكنّ اليدَ

لا تعني شيئاً حين تمسّ الدم

مهما تبدّل الجلدُ

 

لا أشدّ خفّةً من ليلٍ يسترُ فراراً جماعياً لمحكومين عليهم بالمُؤبّد،

لا أكملُ ما تقولين،

ولا تكملين ما كنتُ أنوي قوله،

الحروبُ كثيرةٌ

لكن الحقد القديم نفسه

 

في آخر الأمر

سيطفو الرعبُ الخفيفُ للسرّ

يختفي بين حقول العنب وعبّاد الشمس

 

في آخرِ الأمرِ

لن تبقى من البيت مهابةُ سريرِ الأب

ذكرياتُ الأسنان اللبنية

حتّى

ولا البيت سيبقى

 

سيزول السحرُ عن كلّ شيء

فأربطُ العالمَ إلى السبابة،

برزانة

نتكلم عن الحياة الجديدة،

يضيءُ الموبايلُ

فأفتلُ العالم، وبالخطأ

ألعقُ السبابةَ، ما علِقَ

من مذاقِ فرجكِ في الفجر

 

على شرشفٍ أبيض قرب وجهي

يقفز سنجابٌ أحمر

دون أن أفتح عينيَّ

أنهضُ من غرفةٍ

لأكمل النوم في غرفةٍ أخرى

دون أن أغلقهما

 

3

على الريفِ أحقد

وَ

أستدرجُ ضوءاً

ضالاً

من التحديق نحو أبواب مدينةٍ

لم تعد هنا،

أتكلّمُ عبر البابِ المغلق

ليصلَ الصوتُ من جهة المطبخِ

دون نقصان:

العدو ما تؤمن به الآن

ولا أمل في الله

ما دام الأنبياء ينسجون أمام البشر شباكاً من الطلاسم.

– وحتى متى كان البحر لا يزال هنا؟

– كان السحرُ يأتي من الشرّ حينئذٍ

وكانت الموسيقى تنتهي في الضلال.

– ذكرّني أن نسخّن المعكرونة على الإفطار

– حسناً

– سبع دقائق لنبلغَ الباص في المحطة؟

– دقيقتان لتتحرك هذه المؤخرة السوداءُ من الكرسيّ

فينتهي الفيلمُ

وأرى جيداً:

البحيرةُ في مكانها

ما تزال

البطُّ على طرفٍ ما يزال

فيما السيارةُ التي تحمل إعلاناً ضخماً على طرف،

 

حين أغلق

عيني على بابٍ

مفتوح

يغيبُ البطُ حين أنام

وبينما يحدث كلّ ما سأتذكره،

أنتبه كم الهواء نقيٌّ قرب كنيسة القديس نيكولا

كم البناء صغيرٌ

وأنيق

وكم الخريفُ

نضرٌ هنا

وغريب.

 

في يدي تموتُ البحيرة وأنا أستردُّ ما كان لي

 

تموتُ

ولا يخرج منها

المسخ

 

المسخُ

القديمُ

المغطّى بالطحالب

مسخُ نهايةِ الأسبوع

في القصص

مَن أسلّي به بقية أيامي مستفزعاً دون جدوى.

 

4

 

الشرُّ في يدي

حين لا تلمس

في فمي

حين لا يقبّل

في عيني حين لا ترى

أما الألمُ في كلّ مكان،

شقيقان، يلعبان معاً،

عدوّان يوقظان بعضهما البعض

وأنا لا أحدٌ

يجلس تحت شجرة قديمة

أتأملُ حشداً يمضي في عرس

وأتذكّر الجنازةَ التي انتصب فيها معي

حين لمحتُ تحت الماء

فخذَ الميّتة

 

تعلّمتُ أن أخفي هواجسي كلما مررتُ بجبلٍ

وأن أدلّلها في الطريق

وفي الليل

تعلّمتُ ألا أشارك غيري الموسيقى التي أحب ولا فكرتَهم،

تعلّمت أن السحرَ سحرُ الوهم

تعلّمتُ أن لا وجود للأيام بل خلقناها كي تمسّد قدم الله

ولا وجود لله بل خلقناه كيلا تُهرق الأيام في لغة الأرض

ولا وجود للغة حتّى

سوى كلمةٍ واحدة

يتيمة ولامعة

لامعة وبيضاء كالعظام

 

أبتلعُ الوقت كَشَفرة،

لا باكياً على ما مضى،

ولا مؤمناً بشيء سيأتي،

ما يخيفُني أن أتقدّم في العمر وأنظرُ

إلى الآن:

إلى نفسي، مريضاً،

وإلى كلّ هذا اليأس،

كدُعابة تُلقى

لا لتُضحك

بل

لتؤلم.

 

5

 

تحت جفن الميت نظرة

تحت لسانه لجامٌ من فكرةٍ ظلّت تلّحُ عليه

 

يحومُ حول البيت

لا يدخله ولا يتركه

يبتعد لكن دون أن يختفي

يقترب في الليل حين ينامُ

كل من يرى

 

بأرنبة الأنف

يلمسُ البردَ

الرطوبةَ

بهشاشةِ العظام

وينظر

في قطعة ظلامٍ قُدّت من الموسيقى

في راحة اليد

في مرآةٍ ليس سوى البلّور

مظلماً من شدّة

ما نظر

 

أحمقُ حين يحبّ

شرّيرٌ حين يفكّرُ في معنى الحياة

 

أليفٌ هناك

قليلُ الحيلةِ هنا

وفاتنٌ أينما كان وكلما فكّرنا فيه

قبلَ أن نؤمن بشيء

وبعدَ ما لم نعد نشمُّ سوى رائحتنا

 

لا القسوةُ

ستعذّبه ميتاً

بل الرِقّةُ التي كانت له

ولا رأفة

*****

خاص بأوكسجين

شاعر من سورية. من مجموعاته الشعرية: "انتظر الهواء لأمر بك" 2001 و"عين رطبة" 2005

معلومات الصورة
الصورة من أعمال النحات السوري يامن يوسف

مقالات أخرى للكاتب

19 نيسان 2015