\"الخروج للنهار\"..بيت لا يسجن حياة ولا يطلق سراحها | زياد عبدالله

العدد 163 | 11 كانون1 2014

تدفع كلمة "الخروج" إلى انعتاق ما وعلى شيء ربما من الخلاص، ولعلها مدعاة إلى اعتبارها مسبوقة بـ "سِفر" في إحالة إلى الكتاب المقدّس و"سفر الخروج". طبعاً هكذا تداعيات فكرية آتية من فيلم المخرجة المصرية هالة لطفي "الخروج للنهار" 2012، في أولى تجاربها الروائية الطويلة، وقد كان يتنقل بين المهرجانات الدولية والعربية ويحصد الجوائز.

بالعودة إلى التمهيد الذي بدأت به، فإنه يوحي بشيء من المقدس أو الميتافيزيقي بينما يتحرى الفيلم واقع عائلة مكونة من أب مقعد مريض (أحمد لطفي) وأم تعمل ممرضة (سلمى النجار) والابنة سعاد (دنيا ماهر)، وليس الخروج إلى النهار إلا استكمالاً لهذا الواقع، إذ أن الانعتاق من البيت سرعان ما يكون وجيزاً، لكنه بالتأكيد "سِفر" وعلى مستويين: الأول على اتصال بتاريخ السينما المصرية، والثاني على اتصال بسيناريو الفيلم نفسه.

المستوى الأول يضع الفيلم في سياق السينما المصري، باتخاذ الحيز المكاني الذي يتحرك فيه الفيلم معبراً إلى قول شيء مثل: إن كان يؤرخ لفيلم كمال سليم "العزيمة" 1939  باعتباره أول فيلم يرصد الحارة المصرية الشعبية، فإن فيلم لطفي هو أول فيلم يرصد البيت المصري، العائلة، العلاقات الاجتماعية، على هذا النحو، والكاميرا لا تفارق جدران البيت الأربعة في سرد سينمائي خاص يتخذ من اللقطات الطويلة مساحة لعيش زمن واقعي في داخله يمتد لما يقرب الخمسين دقيقة - أي أكثر من ثلاثة أرباع مدة الفيلم (75 دقيقة)-  لا بل إن خروج سعاد إلى الشارع أو النهار تتخلله عودة الفيلم بعد ثلاث دقائق إلى الأم وهي تمسح أرضية البيت، وبعد ست دقائق أخرى وأغنية أم كلثوم تهيمن على البيت.

ما تقدم يضعنا مباشرة أمام حياة متوقفة تماماً، وكل ما تتمحور حوله حياة الأم وابنتها هو الأب المعاق المريض، إطعامه، وتقليم أظافره، وتبديل ملاءات سريره (الملاءات التي تحضرها الأم من المستشفى التي تعمل بها)، والعامل الخارجي الوحيد الذي يدخل البيت هو ياسر المجند (ابن خالة سعاد) والذي على ما يبدو معجب بسعاد من دون أن تكون الأخيرة بوارد أن تبادله ذرة إعجاب.

يوحي "الخروج من البيت بأن أحداثاً كثيرة ستحدث، لكن ومجدداً يبدو كل شيء متوقفاً، وكل ما تقوم به سعاد هو الذهاب إلى الحلاق لتسريح شعرها، وهي تحاول الاتصال بمن تحب وما من مجيب، وحين تستقل "الميكروباص" فإنها ستصادف امرأة غريبة الأطوار تجلس إلى جانبها، ولتبادر تلك المرأة إلى سؤالها "هل أنت مسيحية؟" كون سعاد لا تضع الحجاب، وحين تنجح سعاد بالاتصال بحبيبها ستكون من خلال هاتف مدفوع، لنعرف أن خمسة أشهر مضت لم تلتقيه فيها، وهو يتهرب منها.

هذه الأحداث البسيطة الخارجة تماماً من الحياة اليومية للبشر في مدينة كبيرة كالقاهرة، لن يكون من ذروة درامية فيها سوى تلقيها اتصال من والدتها تخبرها بأنها أخذت والدها إلى المستشفى، وهنا يكون الليل قد حل، وحين تطمئن على والدها فإن ستمضي إلى الحسين لتدعو له بالشفاء، وحين تسعى للعودة إلى البيت فإنها ستشعر بالخطر من جراء نظرات السائق إليها والذي سيتركها في الطريق وحيدة، ولتمضي ليلتها قرب بحيرة يتردد في أرجائها غناء صوفي وأذكار نبوية.

زمن الفيلم الافتراضي هو 24 ساعة، ولعل هذا الزمن كاف تماماً ليأخذنا في مجازات على مستويات متعددة، وقدرة هائلة على معاينة الحياة المعاصرة في القاهرة كما تقرأها وترصدها هالة لطفي، وكل ذلك متأت تماماً من بنية فيلمية واقعية تتأسس الأحداث فيها من دون انعطافات أو تدخلات، بوصف الفن الواقعي يخلق جمالية لا تنفصل عن الواقع على رأي بازان، ومع لطفي تأتي الجماليات بالتقاط الواقع عارياً من دون روتوش ولا حتى تدخلات درامية نافرة، وبهذا يضعنا الفيلم أمام كشّاف لأعماق الحياة المصرية، حوارات مختزلة جداً لكنها تقول الكثير، حيث يحدث لا شيء وكل شيء في آن، فالحياة متوقفة داخل البيت وخارجه، كما أن الفعل متوقف أو غير مكتمل، الأب مريض، البيت متآكل، الأم منهكة جراء عملها الليلي، الحبيب يتهرب ويتملص، التصنيف ديني على الفور وفقاً للمظهر، هذا عدا الفقر وشح المال، وهناك أخطار محدقة على أهبة أن تتسبب بالأذى لكنها أيضاً لا تنجح في ذلك مثلما هو الحال مع السائق الذي يتركها في الشارع وحيدة وما يتردد صداه آت مما لا نشاهده لكنها حلقات الذكر التي تدور في نفس المكان. 

____________________________

شاعر وروائي وناقد من سورية

 

الصورة من فيلم "الخروج للنهار" للمخرجة المصرية هالة لطفي

*****

خاص بأوكسجين

كاتب من سورية. مؤسس مجلة أوكسجين ومحررها. صدر له: "كلاب المناطق المحررة" (رواية، منشورات المتوسط 2017)، و"الوقائع العجيبة لصاحب الاسم المنقوص" (مجموعة قصصية، منشورات المتوسط 2016)، "محترقاً في الماء غارقاً في اللهب – قصائد تشارلز بوكوفسكي" (ترجمة، منشورات المتوسط 2016)،...

مقالات أخرى للكاتب