الجميلة وفارس الرياح | فكري عمر

العدد 154 | 15 حزيران 2014

كانت تخرج أمامهم كل صباح. بَرِّية. لا تعترف بعاداتهم. تكنس الحجرة الوحيدة التي تسكنها على أطراف البلدة الصغيرة، وترش الماء حولها. ترتدي ثوبًا غامقًا قليل الخيوط. يشف عما لا تريد أن تخبئه. كان بياض وجهها وجسدها يهوى الأسود، والبني، والأزرق، والأحمر. عيناها خضراوان تعكسان ألقًا. شعرها جدائل من الذهب. تهوى طرح الحرير الشفافة التي تنساب من فوقه؛ لتزين رقبتها وهى تقف شامخة بطولها المحبب، وقدها الملفوف. صوتها معدني سميك كغناء البلابل وهى ترد صباح الخير على بعضهم.

بصبر صياد راقبها الرجال. كانوا يطيلون المكوث أمام مرآة عينيها وهم ذاهبون، أو عائدون من حقولهم. يحبسون صورتها وجسدها في رؤوسهم؛ عزاء عن لياليهم القاحلة، وبديلًا للحواديت، وعن الفضائح التي يمزقون بها الليل على المصاطب، وتحت عُرُش القش في الحقول. 

بخبث راقبت النسوة بطنها.. لم تنتفخ، ووجهها لم يغادره المرح. 

"إنسية هي؟!". لقد جاء بها أحد التجار العجائز المترددين على القرية النائية. كان يقضى لأهلها بعض المصالح في البندر. بنى لها التاجر العجوز غرفة هشة من طين. متماسكة بوصاياه المتكررة للجميع بحمايتها. قيل: إن الرجل كان أباها. لما ألحوا عليه في السؤال أكثر من مرة وقتها قال: إنني في مقام أبيها. أحميها من باشاوات وأثرياء بلدتي الكبيرة. الطامعين في جمال الفقيرة، لا في نسبها؛ حتى يحين الأوان، ويعود الغائب. عرف أهل القرية أن الفتاة، أو المرأة، كانت تتنقل بين الاثنتين مع كل ثوب ترتدي بينهم، يتيمة، وأن التاجر العجوز مؤتمن عليها. لكن أي أوان سوف يحين؛ ليحرمهم منها، أو من كشف سرها؟! وأي غائب محظوظ يكتوي قلب الجميلة التي سماها لهم العجوز أيضًا "جميلة" بنار فراقه؟! 

كان التاجر العجوز يهل مرة وحيدة أول كل شهر، ويعود في نفس اليوم. يفرغ بقجته القماش عندها. في الصباحات التالية تضع أمشاطًا، وقطع حلى من "فالصو" براق، ولبان أمام حجرتها على طاولة من جريد. تجلس وراء الطاولة على كرسي قصير من الخشب. 

"إنها تمشى مثلنا على قدمين، ولها عينان، ولسان لا تحركه كثيرًا. حتى مع النسوة اللاتي يشترين حاجاتها، لكنها تعشق الأطفال. نراها تقبلهم طوال النهار، وتمنحهم حلوى، ولبان، وفول سوداني، ولب دوار الشمس. هل هي في احتياج للمتاجرة بهذه الأشياء البسيطة التي تتخلى للأطفال كثيرًا عن بعض ثمنها؟! أم هي طريقة للألفة؟! ولو كانت فقيرة وطيِّبة، لكن جمالها غنى، وأي غنى؟! إنها تتعفف عما يبعثه لها بعض من يملكون أفدنة كثيرة من الأرض سرًا، بل وتعاملهم بوجه صلب حينما يلقون عليها السلام، أو يحاولون الأخذ والرد معها في الكلام. هي، أيضًا، ليست فقيرة؛ لأننا نراها تساعد بعض الناس الذين يحتاجون لمساعدات صغيرة. تذهب لأفراح بعض البنات، وتزينهن. ترش الحلوى على رجال الله الذين يطوفون شوارع القرية، ثم يبيتون بجوار مقام الولي في أثناء المولد السنوي في صيف أغسطس". يردد أهل القرية ذلك الكلام مع بعضهم البعض كثيرًا. 

لم يعد شباب البلدة ورجالها يصدقون أوصاف ست الحسن ما لم تطابق هيئة الجميلة "جميلة"، بل إن النسوة أصبحن يتغزلن في جمالها على مضض أمام أزواجهن؛ ليشعلن الرغبة في أجساد منهكة طوال النهار، فيفرغها الأزواج الحالمون عندهن، وليطفئن الحب السري من أجساد هؤلاء الأزواج. لكنَّ رغبة الأزواج في المستحيل لم تنطفئ رغم كر السنوات. 

ذات ظهيرة، كما تصر العجائز القاعدات على المصاطب، شق أرضهم فارس فوق حصان بني. مرقط بالبياض، ومسرج بحبال ذهبية. شاهدن بانزعاج وتطّلُع جسد الخيال؛ فهن لا يعرفن في هذه البلدة الصغيرة البعيدة إلا سواد الطين، وخضار الزروع، وصفار السنابل، وأحمر الورد على الشطوط وفى خدود البيضاوات المدعوكة بشمس الظهيرة. الجميلة بألوانها الساحرة أغمضت عينيها، وفتحتهما كثيرًا. تنظر إليهن للحظة، وتنظر إلى فارسها للحظة أخرى. وكأنما تقول لهن: ها هو ذا قد جاء من كنت أنتظره. كان اليمام والعصافير يحطان حولها على أفرع الشجر القريب. وهديل الحمام فرح في أبراجه الصغيرة. ألهب الفارس الجميل مشدود القامة حصانه المجنح بالكلمات السحرية حتى طار، وهبط قدامها. نزل الفارس. حط سيفه في غمده. لمسها، ولمسته. وكأنهما يكتشفان ما زاد على كل منهما، أو نقص خلال غياب الآخر. دون همس ارتمت "جميلة" في صدره. 

لم يكن من المألوف أن تشاهد نسوة البلدة هذا المنظر علانية. نحين تقاليدهن جانبًا وهن يطردن فأر الذعر من صدروهن؛ إذ كان الأزواج سينسون الجميلة، ويعودون إلى الرضا عنهن مرة أخرى. حمل الفارس "جميلة"، وأجلسها أمامه فوق ظهر الحصان، ثم رمح الحصان بعد أن مرَّر الفارس أصابعه على شعر الحصان. أكدت النسوة أنهن رأين جناحين كبيرين مرة أخرى على جانبي الحصان وهو يحلق بهما في الأفق. حتى اختفى الحصان، والفارس، والجميلة. دخلن حجرتها. رأين بعض ملابسها معلقة على مسامير معقوفة. دولابها الجديد مغلق على باقى ملابسها المصفوفة بعناية. سريرها نظيف مرتب، ومرآتها نصف الدائرية داخل إطار خشبى مزخرف يزين جوانبه شريط أخضر بلاستيكي من أوراق النباتات. أمام التسريحة أدوات الزينة التى لم يعرفن معظمها. جمعن كل ذلك، ثم أحرقنه أمام أعين الأزواج العائدين فوق عرباتهم "الكارو" مساءً؛ لأنهن مرعوبات مما رأين. 

تقسم العجائز، اللاتي كن وقتها في شبابهن، على ذلك.. ونحن الصغار نؤكد لهن أن ما حدث للجميلة "جميلة"، التي ما زالوا تحت تأثير سحرها، لا يحدث إلا في حكايات "ألف ليلة وليلة". يقرصوننا في أفخاذنا، ويقلن: أنتم لم تعرفوا شيئًا، ولم تروا شيئًا. هل رأى أحد منكم عفريتا، أو جنية؟! آباؤكم أنفسهم كانوا أطفالًا. لا يعرفون أى شىء. زمنكم زمن التليفزيون، والمسلسلات، والكلام الماسخ. أما نحن فكنا نراهم، ونكلمهم عند الشطوط، وفى بطن السواقي، وعلى أشجار الجميز. نكرر الضحك الماكر ونحن بين التصديق وعدم التصديق.

لم يستطع الرجال، ولا الشباب، ولا الأطفال الصمود أمام صراخ النسوة، وإغماءاتهن المتكررة، وحركاتهن الغريبة حينذاك، لكنهم أقاموا مكان حوائط حجرتها المنهارة حوائط متينة لمقهى رغم توسل زوجاتهن. كان جدي يؤكد لي حين ألح عليه؛ ليفك لي غموض الحكاية أنهم قبلوا بحكاية الفارس العجيب؛ لأن الزمن كان زمن فرسان، وملوك، وشياطين. لقد قبلوا، أيضًا، بانقطاع قدم التاجر العجوز عن القرية؛ لأن أمنيته تحققت. وذهبت "جميلة" إلى نصيبها. بحثوا كثيرًا في القرى المجاورة والبندر، ولم يجدوا أثرا لها، أو للتاجر العجوز. يكمل جدي بأسى: "رحلت عنا "جميلة"، ولم يهدأ الشوق. كنا عاجزين عن اكتشاف السر كاملا. غير أن رائحة عفن آدمى كانت تخرج علينا، وتحاصرنا نحن الجبناء من خندق الساقية المهجورة... رغم تفتح الزهور العطرية التي نبتت على كومة التراب المبلول العالي حينذاك". 

__________________________________

قاص وروائي من مصر

الصورة من أعمال المصور العراقي فاضل عباس هادي وهي منشورة ضمن كتاب له بعنوان "ولا تنسَ أن السيدة لايكا تنتظرك بالبيت"، والذي يمكن التعرف على مضمونه من خلال قراءة المخرج والسينمائي قيس الزبيدي له في زاوية "كتاب" ضمن مواد هذا العدد.

*****

خاص بأوكسجين

مقالات أخرى للكاتب

11 كانون1 2014
5 تشرين1 2014