البندوق | أحمد قشقارة

العدد 244 | 17 حزيران 2019

لم يكن أحد من أهل الحارة العشوائية يعرف عنه شيئاً.. لا أصله ولا فصله ولا من أين أتى، ذلك الولد الشقي ذو العشرة أعوام الذي لا أم له ولا أب.. مقطوع من شجرة كما يقولون، ولهذا كان الجميع ينادونه باسم (البندوق).

قضى طفولته متشرداً يلتقط قوت يومه من حاويات القمامة أو مما تجود به بعض نسوة الحارة، اللواتي يرقّ قلبهن ويشفقن عليه، فيرمين له ما تيسر لهن من بقايا الطعام.. رغيف خبز.. قطعة باذنجان مقلي.. قرص بندورة.. وفي أحسن الحالات، كانت تجود عليه امرأةٌ ما، بصحن مجدرة مقابل خدمة يؤديها لها، كأن يأخذ لها بابور الكاز للسمكري كي يصلحه، أو أن ترسله مثلاً ليشتري لها قالب نيلة مع ملاقط غسيل من دكان أبو سمرة في آخر الحارة... تلك الحارة المرمية في الطرف القصي من المدينة قرب شاطئ البحر، والتي كانت تعرف باسم: (حارة عفشيكا).

كلما مرّ به رجال الحارة كانوا ينظرون إليه بازدراء وقرف، بعضهم يبصقون عليه ويتمتمون بينهم وبين أنفسهم بشتائم من الزنار ونازل.. وبعضهم يستعيذ بالله من منظره ويقولون له: يخرب بيتك على هالخلقة، منظرك بيقطع الرزق.. قل أعوذ برب الفلق... والبعض الآخر لا يتورع أن ينهره ويضربه هكذا دون سبب.. فقط لأنه البندوق..!

كان البندوق لا يبالي بنظرات الازدراء والحقد والشتائم، التي تنهال عليه دون أن يعرف سبباً لها، فقد اعتاد عليها لدرجة صار يعتقد فيها أن الحياة أصلاً هي هكذا، أن تعيش مهاناً ذليلاً.. كان يقابل هذا الظلم الواقع عليه من الجميع، بابتسامة بلهاء دون أي اعتراض.

يلملم البندوق نفسه كل مساء، بعد أن يقضي نهاراته التي تشبه بعضها، ويذهب إلى الركن الذي سيبيت فيه ليلة أخرى، تشبه أيضاً الليلة التي سبقتها والتي ستليها.. و يا له من مأوى..!

المجرور القديم المنحدر باتجاه البحر.. المجرور المهجور الذي جفت قاذوراته، بعد الاستغناء عنه واستبداله بمجرور أكثر حداثة ليتسع لكل مخلفات البشر ونفاياتهم. هناك رتب البندوق ركنا يلقي فيه جسده النحيل المنهك كل مساء، فوق كومة من الورق والكرتون وبقايا الملابس البالية التي صنع منها داخل المجرور فراشه الوثير.. لم يكن لهذا المأوى الفريد باباً أو نافذة كبقية بيوت البشر، بل مجرد فتحة في (البربخ) تحطمت مع مرور الزمن، كان يلج من خلالها البندوق كمن يدخل قبره، ليستلقي فوق كومة الكرتون، وسط صمت مقيت لا يشوبه سوى صوت الأمواج المترامية نحو الشاطئ بحركة مونوتونية، وصفير الرياح التي تعبر شقوب المجرور.. يستلقي رافعاً بصره نحو السماء محدقاً بالنجوم، ويحلم ويحلم ويحلم... يحلم حتى يتسلل أخيراً إليه سلطان النوم، فيغلبه ويغلق جفنيه على حلمٍ وردي لا يشبه المجارير.  

الحارس الليلي أبو نظير والداية أم خضر، وحدهما فقط كانا يعرفان سر هذا البندوق..!

وكان أهل الحارة أحيانا يطلقون على هذا البندوق لقب (أبو وحمة)، لأن وشماً بشكل عنقود عنب، كان مرسوماً على ذراعه الأيمن... مرةً وقف البندوق أمام دكان الخضرجي أبو سميرة، يتأمل عناقيد العنب وهو يبتلع ريقه بحسرة، رمقه الخضرجي بنظرة لئيمة وقال له بلهجة ساخرة وهو ينظر إلى الوشم في ساعده: والله يا بندوق إمك اللي عملت عملتها السودة كانت كمان بتعرف تتوحّم وهيّة حبلة فيك.. كانت مشتهية العنب ماهيك..! ريتها كانت توحمت فيك على خنزير يا ابن الحرام.. يالله انقلع من قدام الدكان ولاك.

ذات يوم خريفي كان أبو عبدو الهباش عائداً من عمله في ريجي التبغ والتنباك، وهو يلهث من أثر السل الذي تغلغل في صدره، بسبب الغبار القاتل الذي يستنشقه رغم أنفه كل يوم لمدة عشرين سنة.. حين دخل أبو عبدو الحارة ورأى ابنه يلعب مع البندوق، هجم بكل ما تبقى له من قوة وهو يسعل وصاح بابنه: ولك عبدو.. أنا كم مرة نبهت عليك ما تلعب مع البندوق.. يالله روح انضب بالبيت، والله لكسّر عضامك أنت وأمك اللي ما عم تعرف تدير بالها عليك بغيابي.

ثم التفت أبو عبدو ناحية البندوق وقال له: انقلع من هون ولك ابن الحرام.. و بصق في وجهه، فخرج البصاق الملوث بالدم من فمه ليغطي وجه الولد المشرد... وكأن هذا الوجه الملوث بكل الوسخ التاريخي، ما كان ينقصه سوى البصاق اللزج من فم أبو عبدو الهباش، ليجعل منه وجها يعجز عن رسمه سلفادور دالي.

البندوق تسمّر في أرضه دون حراك لا يعرف ما يفعل، وهو يحدق ببلاهته المعهودة بأبو عبدو.. زمجر أبو عبدو الهباش كالثور الهائج: ولك عرصى لساتك واقف هون..؟ والله لألعن أبو اللي خلفك.. وهجم عليه وصفعه على وجهه، فسقط البندوق أرضاً.... رفع أبو عبدو الهباش رجله، وهمّ بركله في بطنه ركلة كان من الممكن أن تقضي عليه وتجعله نسياً منسياً، لولا أن الحارس أبو نظير سارع في اللحظة المناسبة، ومنع أبا عبدو من تحقيق نشوة الانتصار على البندوق بالضربة القاضية:

ـ لا يا أبو عبدو لا.. اتروك الولد رح تموّتو.. اتركو....

نهض البندوق من الأرض وركض باتجاه قصره في المجرور القديم.

هدأ أبو عبدو قليلاً.. وهمّ بمتابعة سيره باتجاه بيته وهو يثرثر بصوت مسموع: العمى في عيونو العمى... ما كان ناقصنا بالحارة غير هيك واحد ابن حرام.. من وين إجتنا هالمصيبة..!! 

هز الحارس العجوز أبو نظير رأسه بابتسامة ساخرة، وقال بصوته المتهدج الذي يشبه صوت تيريسياس عرّاف دلفي:

ـ آآآآه يا ابو عبدو آه...! لو كنت بتعرف هالبندوق من صلب مين.. يمكن ما كنت تجرأت ورفعت رجلك لتدوس ببطنو.

في ليلة من ليالي تموز، كان الجو حاراً، ولهيب الصيف المشتعل يكاد يخنق الأنفاس.. كانت أزقة الحارة خالية تماماً من البشر، وكان البندوق الوحيد الحزين على وشك أن يغادر أزقة الحارة إلى مأواه المعتاد في المجرور.. وقفت (زهيرة) في باب بيتها ونادت للبندوق بصوت منخفض، وهي تتلفت بحذرٍ يميناً ويساراً، وكأنها لا تريد أن يراها أحد : وينك وينك.. يا بندوق..

التفت إليها البندوق ورماها بنظرة لامبالية وهمّ بمتابعة طريقه، لكن زهيرة عادت ونادته مرة أخرى: يا أبو وحمة.. تعال حبيبي بدي قلك شغلة.. تعال...

يبدو أن نبرة الصوت اللطيفة من فم زهيرة وهي تناديه باسم (أبو وحمة) جعل البندوق يغير رأيه، فاقترب من باب بيتها وقال لها: شو بدك..؟

قالت زهيرة بلهجة مغرية: فوت حبيبي فوت.. عندي شغلات طيبة بدي طعميك ياها.. فوت.

تلمظ البندوق وسال لعابه وهو يتخيل (الشغلات الطيبة) التي ستقدمها له زهيرة.. وقف للحظات متسمراً في أرضه وهو يمعن النظر في زهيرة من رأسها إلى أخمص قدميها.. زهيرة كانت ترتدي قميصا شفافاً رقيقاً... شعرها الأسود الطويل ينسدل على كتفيها، عيناها تشعان ببريق أخّاذ.. العرق يتصبب من جبينها فتسقط حبات العرق فوق صدرها، وتسيل في مجرى ما بين النهدين المتوثبين.

لأول مرة في حياته يتعرف البندوق إلى تفاصيل الجسد الأنثوي الفاتن..!

لأول مرة يعرف البندوق معنى أن يكون للمرأة نهدان.. نهدان لم يلتقم حلماتهما من أمه التي لم ترضعه.. أمه التي لا يعرف من هي.

أمسكت زهيرة البندوق من يده وشدته فأدخلته بيتها وغلّقت الأبواب.

في اليوم التالي اختفى البندوق نهائياً من الحارة.. ولم يعد أحد يعرف عنه شيئاً.. كأنه غاب إلى الأبد.!

انتشرت الفضيحة في الحارة.. وصارت سيرة زهيرة على كل لسان.

كانت زهيرة في حوالي الخامسة والثلاثين من عمرها، زوجها العنين الذي لم تنجب منه، يعمل صياداً للسمك.. منذ سنة تقريباً ملّ من حياة البؤس والفقر وقرر أن يسافر إلى بلاد الإكريك (اليونان) وانقطعت أخباره.. البعض يقول إنه وصل إلى بلاد الإكريك وضاع فيها ونسي كل ما خلّفه وراء ظهره.. ولكن البعض الآخر يؤكد ويقول إن المركب انقلب في عرض البحر وغرق كل من فيه وصاروا طعاما لأسماك القرش...

أيا كان.. ضاع أم غرق.. لا فرق.. المهم أن زهيرة بقيت وحيدة ينطبق عليها القول: لا معلقة ولا مطلقة.. فقدت الأمل من عودة زوجها.. أو لنقل بعبارة أخرى: ربما كانت في قرارة نفسها هي التي تريد أن تقطع الأمل من عودة الزوج العنين.

انتشرت الفضيحة في الحي.. اجتمعت النسوة في بيت أم ممدوح ليباركوا لها مولودها الجديد.. أخيراً، وبعد سبع بنات رزقت بصبي أسمته ممدوح..

ـ الحمد لله على قومتك بالسلامة يا أم ممدوح.. انشالله يربى بعزكن ودلالكن... يالله خاطركن يا جماعة... قالت الداية أم خضر وهمّت بالمغادرة.

- والله ما بتروحي يا أم خضر قبل ما تاخدي الضيافة...صرخت أم ممدوح ببناتها: قومو وحدة منكن جيبو صرة ملبس لخالتكن الداية.

وقفت أم خضر تنتظر صرة الملبّس حلوان الصبي، وهي تسمع ثرثرة النسوة عن فضيحة زهيرة:

ـ يخرب بيتها شو فاجرة.. !

ـ يي.. كل ما بسمع هالسيرة بينمّل بدني..

ـ يا لطيف يا لطيف.. الله يستر علينا..

ـ ولك ومع مين..؟ مع البندوق..!! العمى شو إنها وسخة.. تفوه..

نفد صبر الداية أم خضر وصاحت بالنسوة: ولك خافوا الله يا نسوان.. خافوا الله.. حرام عليكم نشرتوا عرضها للمخلوقة.. إنتو شفتو بعينكن شي..؟

قالت إحدى النسوة بسخرية: لأ ما شفنا بعيننا.. ليش هيك شغلة كمان بتنشاف بالعين..؟

أجابت الداية: إي لكن اسكتوا وحاجة تحكو عالمخلوقة .. ما بيجوز..

قالت امرأة أخرى بحدة: يا أم خضر.. ليلة كاملة البندوق نايم ببيت زهيرة.. جوزي لما كان رايح يصلي الصبح حاضر بالجامع، شافو بعينو لهالمسخ الأرض طالع من بيت زهيرة... يعني في أكتر من هيك فضيحة يا أم خضر؟؟

ردت الداية أم خضر محتدة أيضاً: إي وإذا نام ببيتها.. يعني ضروري يروح فكركن لشي ما كويس..؟ بلكي كانت المخلوقة بدها منو شي..؟

أجابت إحداهن بسخرية لاذعة: وشو بدها منو يعني .. آ ..؟

أضافت امرأة أخرى بسخرية لئيمة: بلكي كانت مشوّبة وبدها البندوق يهوّيلا.. الدنيا صيف وشوب كتير..

تابعت امرأة أخرى: قال مشوّبة قال.. اسمعوا على هالحجة اسمعوا..! إي كلياتنا عم نشوّب بالليل.. مو بس الست زهيرة خانم

أجابتها المرأة ذاتها بسخرية أشد: مظبوط.. بس نحن عنا رجالنا بيهووّلنا ..

تعالت ضحكات النسوة وهن يتغامزن بخبث فصرخت بهن الداية أم خضر: ولك خلص بقى خلص.. اتقوا الله.. بعدين هادا ولد.. ولد يا جماعة ولد مو رجّال.. ولد لساتو بيشخ تحتو وما بيفهم بهيك شغلات.

قالت إحدى النسوة معترضة: إي حاج بقى أم خضر... شو ولد ما ولد..! إي عليم بالله بيعرف البيضة من باضها والجاجة مين جابها.. قال ولد قال.. قد الشنتير يمكن عمرو فوق الخمسطعش.

ردت أم خضر محاولة إقناعهن: ولك يا جماعة.. والله لساتو ولد.. إمو ولدتو على إيدي بنفس السنة اللي طلعوا فيها الفرنساوية من البلد.. يعني لسا ما كمّل الحدعش سنة...

هدأت ثرثرة النسوة قليلاً.. جاءت ابنة أم ممدوح بصرة الملبس وأعطتها للداية. وقبل أن تغادر الداية بيت أم ممدوح سألها إحدى النسوة بشكل جدي:

ـ صحيح أم خضر.. ليش ما بتحكيلنا قصتو لهادا البندوق..؟ يعني مين إمو.. مين أبوه.. وليش رموه هالرمية..؟

انتفضت الداية أم خضر عند هذا السؤال وصرخت غاضبة: ألف مرة قلتلكن لا حدا يسألني عنو.. بعدين خلص الولد راح واختفى وخلصت الحارة منو.. خلص بقى فضّوها سيرة... يالله خاطركن.  

بعد أسبوع من الفضيحة.. وُجدت جثة زهيرة مرمية في الحاكورة الغربية قرب المقبرة مضرجة بدمائها.. وتناقل الناس أخبارها بأن أحد أبناء عمومتها ذبحها من الوريد للوريد،  ليغسل العار الذي لحق بشرف العائلة.

في حرب الـ 67 نزح سكان حارة عفشيكا باتجاه المدينة وبعض القرى المجاورة وتشتتوا وتفرقوا، بعد أن نالت الحارة النصيب الأكبر من القصف الذي دمرها وحولها إلى ركام.... لم يبق من حارة (عفشيكا) سوى بقايا الأطلال، وتحولت الحارة المهجورة إلى مجرد خرابة تنعق فيها الغربان.

العجيب في الأمر أن الدمار أتى على كل الحارة بسبب قربها من ثكنة عسكرية، ولم ينج لا بيت ولا دكان ولا حاكورة... حتى المسجد الوحيد في تلك الحارة صار ركاماً على الأرض... الركن الوحيد الذي نجا من الدمار وبقي صامداً، هو المجرور القديم المهجور حيث قضى البندوق طفولته...!

ومع مرور الزمن، تحولت حارة عفشيكا إلى بؤرة إنتانية وملفى للزعران وقطاع الطرق واللصوص والمجرمين.. وصارت تشكل خطراً يهدد المدينة.. قدم السكان عدة شكاوي للبلدية كي يجدوا حلا لهذه المنطقة... ولكن عرائضهم كان مصيرها الإهمال، وفي أحسن الحالات كانت تُقابل بوعود خلبية دون تنفيذ... من أجل هذا صارت مشكلة حارة عفشيكا واحدة من أهم المسائل الملحة، التي بدأ المرشحون لرئاسة مجلس البلدية يستغلونها، ويضعونها على رأس قائمة الوعود في برامجهم الانتخابية، لكسب أكبر عدد من الناخبين.

ـ البندوق...! يااااااه... رجعتني عشرة خمسطعش سنة للماضي يا معلم ضرغام..!

- ليش إنت بتعرفو للبندوق؟

ـ أنا...!! ومن وين لوين لحتى أعرف هالصنف القذر من البشر..؟ شو نسيت يا معلم ضرغام إنو أنا خلقت وربيت بشارع الأندلس، أرقى شارع في المدينة؟ أنا سمعت بالقصة من والدي لما كنت صغير... والدي كان ضابط بالشرطة.. وهوّي اللي حقق بجريمة قتل المرة اللي كان اسمها.. شو كان اسمها يا ربي..؟ إي تذكرت كان اسمها زهيرة على ما أظن..

ـ طيب إذا ما بتعرفو لهادا البندوق .. ليش عم تقول عنو صنف قذر من البشر..؟

ـ يعني هيك واحد لقيط شو ممكن يكون..؟ بندوق ابن حرام.. اسم على مسمى..

ـ خلص خلص.. شيلنا من هالسيرة أستاذ نوري.. خلينا نحكي بالمفيد.. فكرت بالموضوع؟

ـ أي موضوع معلم ضرغام..؟

ـ أستاذ نوري.. لا بقى تغشّم حالك.. العرض اللي قدمتلك ياه ما بيحلم فيه أخو إختو.. وأنا هلق بدي منك جواب قطعي.. إذا موافق هلق بهاللحظة بيكون المبلغ بجيبتك.. وإذا ما موافق قللي لحتى أنا أعرف دبّر أموري..

سادت لحظات صمت دون أن يرد الأستاذ نوري على سؤال المعلم ضرغام.. ويبدو أن الأستاذ نوري كان مصراً على التلاعب بأعصاب المعلم ضرغام متعمداً استفزازه، فمدّ يده وحرك مفتاح الراديو ليعلي شدة الصوت، كان ثمة رجل يلقي خطاباً باللغة الإنكليزية.

ـ أستاذ نوري سكرلي هالشايع الراديو وجاوبني.. بعدين مين هادا اللي عم يعلك بالأجنبي؟ وليش هيك مهتم كتير..؟

ـ له يا معلم ضرغام..! ما عرفتو ؟ هادا ريتشارد نيكسون؟

ـ مين يعني..؟

ـ هادا يا معلم ضرغام رئـيس الولايـ..... وللا قلك.. خلص خلص مو مهم.. تفضل هي طفينا الراديو.. منرجع لحديثنا..شو كنا عم نحكي؟

ـ استاذ نوري سمعتني شو حكيت وما رح أرجع عيد ..

ـ طيب زيد المبلغ شوي..

ـ ولا فرنك.. مليون ليرة وبتعلن انسحابك اليوم من الانتخابات لمنصب رئيس البلدية... شو قلت..؟

دون أية كلمة.. مدّ الأستاذ نوري يده نحو المعلم ضرغام مصافحاً، وهو يعلن بذلك قبوله العرض المغري، ليستلم باليد الأخرى الحقيبة السوداء الأنيقة وبداخلها المليون ليرة، مقابل انسحابه من الانتخابات لصالح المعلم ضرغام.

خرج المعلم ضرغام من مكتب الأستاذ نوري، وتوجه نحو سيارته حيث سائقه الخاص ينتظره فبادره بسؤال:

ـ شو معلم..؟ قمحة ولّا شعيرة..؟  

أجاب المعلم ضرغام وقد رسم على شفتيه ابتسامة عريضة: المصاري بتخلي الزيوان يصير حنطة..

ـ يعني نقول مبروك..؟

ـ اعتبر البلدية صارت بجيبتي.. ومشان هيك خدنا على أحسن مطعم بالبلد... خلينا نحتفل ونضرب شي كاس.. مشاوي كباب وشقف... وعرق.

استطاع المعلم ضرغام أن يشتري معظم المرشحين لمنصب رئيس البلدية، كلٌ حسب مكانته ووضعه الاجتماعي ومدى قوة علاقاته بالسلطة، وكأن آخر منافس قوي له هو الأستاذ نوري ذو المنشأ الأرستوقراطي، وها هو قد قضى عليه منذ قليل بالضربة القاضية، وصار قاب قوسين أو أدنى من تسلم منصب رئيس البلدية... ما هي إلا أيام ويتربع الضرغام على كرسي المجد.. كل شيء قد صار جاهزاً.. اللافتات والصور والإعلانات والدعاية والحملة الانتخابية تجري على قدم وساق في كل أركان المدينة.. نعم سينتخبه السكان، هو على ثقة شبه مؤكدة بذلك، كيف لا، وقد صاغت له حاشيته بياناً انتخابياً مغرياً ومليئاً بالوعود، وكان على رأسها الوعد بحل مشكلة حارة عفشيكا..!

وصلت السيارة إلى مطعم فخم.. ترجّل السائق وفتح باب السيارة لينزل منها سيده المعلم ضرغام.. كانت ثمة لافتة كبيرة معلقة فوق باب المطعم عليها صورة المعلم ضرغام، وعبارة بالخط العريض تقول: انتخبوا مرشحكم ضرغام السبع.. مرشح الطبقة الكادحة.

أشار السائق للمعلم ضرغام نحو اللافتة بفخر وقال لسيده: شايف معلم..! صورك معباية البلد..!

نظر المعلم نحو اللافتة وسأل السائق ببلاهة: واسمي مكتوب..؟

ـ طبعاً معلم طبعاً.. شوف بعينك اقرا شو مكتوب..

استشاط المعلم ضرغام غضباً، ورمى السائق بنظرة قاسية وقال بصوته الأجش: ولك جحش..؟ أنت ما بتعرف إنو أنا لا بقرا ولا بكتب..؟ وللا بس هيك بدك تنزعلي مزاجي..؟

ـ عفواً معلم.. يستر عرضك لا تواخذني.. والله ما كان قصدي..

ـ ورصاص اللي يفش نيعك شو إنك كرّ.. بهيم.. دبّة..

ـ حاضر معلم.. غلطنا ومنك السماح.. تفضل معلم تفضل شرّف.. هلق بأول كاس من عرق الأندرين رح تروّق آخر رواق.  

قبل الانتخابات بيوم واحد، تم العثور على المعلم ضرغام جثة هامدة مرمية في حارة عفشيكا... سبع طلقات في الرأس هشمت الجمجمة تهشيماً.. وتم نقل الجثة إلى المشرحة.

ـ الله يرحمك يا أبي.. دخلت كلية الطب غصباً عنّي بس حتى أرضيك.. مع إنو ماهيك كانت رغبتي..

ـ لكن شو كانت رغبتك دكتور حمدي..؟ تدرس إعلام متلي؟.. ما بتعرف إنو الصحافة مهنة المتاعب..؟

ـ كانت رغبتي أدرس موسيقا..

أجاب الصحفي نزار: سقالله إيام زمان يا صديقي.. لما كنت تعزفلنا على دق العود إيام زمان بمقصف الجامعة..!

تابع الدكتور حمدي وهو يرتب حقيبته الخاصة بشيء من النزق الخفيف: شبك ولو نزار..؟ ولك يا رجل صرت صحفي مشهور واسمك بكل الجرايد ولساتك بتقول متل الجاهلين (دقّ العود)..! اسمو عود.. عووووود.. مو دقّ العود..

ـ إي سيدي حط بالخرج.. عود وللا دق العود.. نفس المعنى....

ثم أضاف الصحفي نزار ممازحاً:

ـ بعدين تعا لقلك.. إنت هلق دكتور قد الدنيا.. لأ ومو حيّالله دكتور..طبيب شرعي..ومو عاجبك..؟ شو بدّك أحسن من هيك مركز محترم..؟ لو إنك درست موسيقا كنت رح تقضي عمرك عم تعزف على دق العود بشي كاباريه ورا شي رقّاصة.

ـ ما أحسن ما قضي عمري بين الدم والجثث..؟

ـ طيب يالله يالله.. خلصنا خلينا نمشي دكتور حمدي..

ـ طبعا حضرتك مستعجل كتير.. إنت هادا اللي بيهمّك.. شوية صور ولقاءات لتعمل سبق صحفي... شرّف نزار أفندي.. هيا بنا إلى المشرحة.

في الطريق إلى المشرحة كان الدكتور حمدي يقود سيارته والانزعاج واضح على وجهه، فبادره صديقه الصحفي نزار بسؤال جدي:

ـ ما أول مرة بتعاين جثة بالمشرحة.. المفروض إنك تعودت ومشي الحال... ممكن تجاوبني بصراحة ليش لهالدرجة مزعوج؟

ـ لا مو قصة انزعاج.. بس عم فكر بهالزمن العجيب... سبحان الله.. القدر..!

ـ إي والله القدر..!  تصور يا رجل.. كان بينو وبين جلوسه على كرسي رئيس البلدية يوم أو يومين.. بلحظة صار جثة..!

بعد لحظات صمت والسيارة تتابع طريقها باتجاه المشرحة، أضاف الصحفي نزار بشيء من الفضول:

ـ بس اللي مجنني وما عم لاقيلو تفسير.. كيف هيك واحد جاهل أمي لا بيقرأ ولا بيكتب.. بيجمع هيك ثروة بالملايين..لأ وبدو يصير رئيس بلدية كمان..!

هز الدكتور حمدي رأسه مع ابتسامة ساخرة وقال:

ـ وعامللي حالك صحفي يانزار...! على حد علمي إنو الصحفي فضولي وحشري.. وبيقرأ ما وراء السطور.. وبيعرف شغلات وخبايا وأسرار ما كل الناس بتعرفها..

ـ شو قصدك دكتور حمدي؟

ـ عم تتساءل من وين جمع الضرغام ثروة بالملايين..؟

وصلت السيارة إلى باب المشفى الوطني وتوقفت. وقبل أن يترجل منها الاثنان قال الدكتور حمدي:

ـ بتسمع بحارة عفشيكا يا أستاذ نزار؟

ـ إي طبعا.. محل ما وجدوا جثة الضرغام.

ـ بتعرف إنو الضرغام هوّي اللي كان سبب دمار هالحارة؟

ـ كيف..؟

ـ كان في ثكنة عسكرية على جنب حارة عفشيكا..وعلى ذمة اللي حكوا لي.. الضرغام كان عم يتعامل مع جاسوس إسرائيلي، وهوّي اللي أعطاه معلومات عن موقع الثكنة.. وتاني يوم بالحرب انقصفت الثكنة والحارة وصاروا كتلة دمار.. عرفت كيف جمع الضرغام ثروة بالملايين..؟

ترجل الدكتور حمدي والصحفي نزار من السيارة، وتوجهوا نحو باب المشرحة حيث ينتظر النائب العام وبعض ضباط الشرطة.

كشف الدكتور حمدي الغطاء عن جثة الضرغام وبدأ عمله في الفحص المعتاد، بينما كان الصحفي نزار يلتقط بعض الصور من عدة زوايا وهو يحلم بأن يحقق سبقاً صحفياً عظيماً.

في اليوم التالي كان الريبورتاج الذي أعده الصحفي نزار عن مقتل الضرغام يتصدّر الصفحة الأولى من الجريدة، مرفقاً ببعض الصور للجثة.. وقد ظهر في إحدى الصور ذراع الضرغام وعليه وشمٌ على شكل عنقود عنب.

*****

خاص بأوكسجين

ممثل ومخرج مسرحي من سورية.

معلومات الصورة
الصورة من أعمال الفنان أندرو ستال