الإقامة الناقصة | سومر شحادة

العدد 182 | 8 تشرين2 2015

كلّ ما تفكر بهِ سيدفعك، على نحو غير إنساني، للخروج ومحاولة النجاة بما تملك من الأحلام المؤجلة أو تلك التي تنازع البقاء. في الوقت نفسهِ، ثمة قدرة عجيبة تقيدك إلى البلد المنكوب بشكل حميمي، ليست "الوطنية" بأية حال من الأحوال، وليست الأفكار التي قُتل في سبيلها كثيرون، إنّما نوع خاص من التواطؤ. وبمعنى أكثر ألفةً هو نوع خاص من الأفكار: إذ كيف لبلادٍ شاسعة التاريخ، أن تموت على الهامش، دون أن يبقى أحد كي يبول على العالم انطلاقًا منها، كي يمدّ لسانه في وجه من يشاهد الموت النهائي عن بعد، أحد ما لا يدرك حقيقة بؤسهِ، ومصاب بلوثة تجعله سعيدًا بكون حياتهِ قد تحولت، دون إرادة حقيقية منه، إلى مغامرة حيّة، لا يملك فيها خيارًا سوى تلفيق مبررات أصبح يخجل من الجهور بها أمام أقرب الناس إليه.

لم يعد الحزن مصدرًا للكتابة، ولا الجمال أو الذكريات وتداعي النظرات الأولى، والذي غالبًا ما كان يستمر لسنوات. أصلًا لم يعد ثمة ما هو أهل للكتابة، لم يعد ثمة ما هو أهل لتلك الحرفة المهزومة أمام هول ما حدث ويستمر بالحدوث بكامل الحمق. هنا، تتبدى الكتابة في كونها نوعٌ من إشهار الإفلاس. وماذا يمكن لمفلس أن يضيف إلى الأدب؟ علينا التمّهل قبل أن نقول لا شيء. حتى لو كانت الإجابة واحدة في كل الأحول وهي: لا شيء. إذ إنّ ذلك اللا شيء وحده، يحقق إضافة شديدة الخصوصية. تتمثل في جدوى الكتابة في أزمنة القتل الوحشي. أليس القتل غيابًا للّغة؟ سيبقى هذا حاسمًا في ذهنية الكاتب، ولو أنّ فيلسوفًا ما سيجد في القتل لغة بحدّ ذاته. إذاً، بقاء الكاتب أو مغادرته لا يضيف شيئًا، لكن كتابته هي التي تفعل. وهذه هي، بالضبط، اللوثة التي أقصدها. الاعتقاد بإدراك الأبدية عند أشخاص مهووسين بالحنين، يصنعون ويكتبون أمورًا فانية.

لا يدرك الكاتب، عمق التغير الحاصل داخله إلا ساعة يكتب، لا الضحك مع من بقي من الأصدقاء يكشفه، ولا لحظات الحب تعريه. فقط وفقط الكتابة، ذلك الفعل المروّع والهشّ. الآن، وأنا أبحث عن سبيل لكبح الشعور الضاغط بالضعف، وانعدام أهليتي للكتابة بدافع الغضب العارم، الكراهية وعدم القدرة على تحييد العواطف تجاه الأرض، فما بالك بناسها؟ الآن أفهم إلى حدّ بعيد؛ كيف يُقاد جنودٌ إلى معارك يرفضونها، ثمّ كيف يرفعون الأنخاب على جثث، هي لهم، بشكل أو آخر. 

يبدو مفهومًا لكَ، كيف رأيت في العجوز الأنيق الذي أخذ عن سور حديقة "البطرني" ما بقي من رغيف تركه أحدهم، شكلًا من الإحساس بالآخر. يبدو مفهومًا كيف بكى أمامك سائق التاكسي الغريب، كيف بكيت أنت نفسك عندما شكوت عجزك عن الاستمرار بالعيش في سورية، وعجزك عن بتر الحياة الناقصة في بلد اكتمل غيابه. ها أنت تفهم إلى حد بعيد ضحك منذر مصري، عندما أخبرته بأنّك رأيت في إصراره على البقاء في مقال نشره بعنوان جارح "سنبقى" أنّك رأيت إصرارًا على الرحيل، أفهم بشكل جلّي لماذا خفت عليه، بحضور الأسى الطاغي وتقطع الضحكات بالكثير من الشرود.

أتأمل كيف تساوت لدينا مبررات البقاء والرحيل، لكن رغم ذلك ثمة ما يسحبني عنوةً إلى المزيد من الغرق، إلى المزيد من الخوف، والهوس بالحرية الملعونة والحب المجنون. إلى المزيد من كلّ ما تنتجه هذه البلد التي ما زالت تنجب أولادًا يتامى، أول ما يفعلونه عند خروجهم منها، هو النظر إليها على أنّها أم قاتلة أنجبتهم ثمّ قتلت فرحتهم بالحياة خارجها!

*****

خاص بأوكسجين

روائي وكاتب من سورية. من رواياته "حقول الذرة" 2017

معلومات الصورة
اللوحة من أعمال التشكيلي السوري العالمي لؤي كيالي (1934 - 1978)

مقالات أخرى للكاتب

20 أيار 2018