الأكثليّاتُ | مازن أكثم سليمان

العدد 216 | 19 تموز 2017

(1)

رُكَّابُ الأرجوحةِ

أطفالٌ ببصماتِ عصافيرَ تبدو مُتماثِلةً

وعندما تكبرُ الأجنحةُ، ويتكثَّفُ التَّحليقُ

يتمايَزُ الرِّيشُ والمَناقيرُ والأشجارُ.

 

(2)

مُستقبَلُ الأقلِّيّاتِ في راحةِ يدِ الأكثريّةِ، مَبسوطةً كأنَّها مُروجُ الرُّوحِ في مدى الامتلاءِ.

 

(3)

البصيرةُ تُعرِّي وتفضَحُ، والبصَرُ يحجبُ إلى حدِّ المَجزرةِ، وسُؤالُ الاختلافِ ينأى بالمياهِ عن مُطابَقةِ مُسَبَّقاتِ المَنبَعِ، نحوَ تعدُّديَّةِ المَصَبِّ سواء أكانَ بحيرةً أم بحراً بلا قرارٍ...

 

(4)

الحرارةُ التي في فنجانِ القهوةِ

تلتقِطُها كُلُّ الشِّفاهِ المُتنوعةِ

بحركةٍ واحدةٍ تُشبِهُ هزَّةَ رأسِ مُنْتَشٍ على أُغنيةٍ

لم تنتخِبْ جمالَها سوى القلوب الطائِشة كبُخارِ الرَّغباتِ.

 

(5)

مُستقبَلُ الأكثريَّةِ في ملحِ طعامِ الأقلِّياتِ، بشرطِ أنْ تكونَ الأرغفةُ مُدوَّرةً كأقمارٍ تُضيءُ وادٍ يلتقي فيهِ العُشّاقُ من دونِ أنْ تطلُبَ منهمُ الصُّخورُ أو الأزهارُ أو الحراقصُ إبرازَ البطاقةِ الشَّخصيَّةِ.

 

(6)

التَّشابُهُ عرّابُ النَّمطيَّةِ القاحِلُ: على الأكثريَّةِ أنْ تُذيبَ قُضبانَ الفولاذِ المَغروسةِ كالخناجرِ في كُتُبِ الشِّقاقِ والنِّفاقِ، وعلى الأقلِّيّاتِ أنْ تكُفَّ عَنِ الاستهلاكِ الرَّخيصِ لأُهزوجتَيِّ (المَظلوميَّةُ/السِّرِّيَّةُ)..

...

...

ليسَتِ الخُصوصيَّةُ إلّا فَتْحُ تويجاتِ الطَّلْعِ الذَّهبيِّ على الكُوى الغنيّةِ للانبثاقِ، وتحريرُ الأجنحةِ النَّزِقةِ الجامِحةِ بلا تعيينٍ لحُدودِ الفُصولِ التَّقليديّةِ أو لمَواعيدِ الإيمانِ والكُفرِ شهيقاً وزفيراً.

 

(7)

كذبةٌ هيَ الثُّنائيّاتُ...

أنْ تطرُدَ المركزيّاتُ المُتعاليةُ الهَوامِشَ تحتَ دعوى حِيازةِ (الحقيقةِ) فخٌّ سقَطَ فيهِ الجميعُ. الهَوامِشُ تمتصُّ أحشاءَ المَراكزِ، والتَّصوُّرُ القَبْلِيُّ هذيانٌ مُنمَّقٌ يحبسُ تفكيكَ الأسوارِ المُقفلَةِ على الجميعِ. لا أكثريّةَ ذات ماهيّةٍ ثابتةٍ، ولا أقلِّيّاتٍ قابِلَةٍ للإحاطةِ تعميماً. التَّحكُّمُ تمركُزٌ مُتعالٍ كأوثانِ الكُتلَةِ الواحدةِ. الطَّوائِفُ عابرَةٌ للخلَلِ في فَهْمِ الوجودِ الجَماليِّ للتَّنوُّعِ. سوءُ الفَهْمِ ثروةٌ إنْ أدارَها الورَعُ بالأنسنةِ، والدِّيمقراطيّةُ قصْفٌ سِلميٌّ لأُصوليّاتٍ جوهرانيَّةٍ تتقاسمُها الجَماعاتُ من دونِ استثناءٍ. شكلُ الحياةِ اليوميَّةِ/الاعتياديَّةِ بما يفرضُ من تحدِّياتٍ جديدةٍ قد يكفي لمجيءِ (المُواطِنِ) حالَما تبدَاُ عمليّاتُ تنميةِ الكيْفِ على حِسابِ الكَمِّ. لُغةُ العدَدِ لُغمٌ عاجِزٌ عن وضْعِ تفاصُلاتٍ حدِّيَّةٍ بينَ: المُؤمنِ والمُلحدِ، بحجابٍ أو من دونِ حجابٍ، بفستانٍ قصيرٍ أو بثوبٍ شرعيٍّ: آخَرُو الآخرينَ تفنَّنوا بتكرارِ إنتاجِ الإقصاءِ الرّاسِخِ في الأعماقِ المُحتلَّةِ بأعرافِ المُسَبَّقاتِ. هيَ دُوّامَةُ القتلِ تقاسَمَتْها المُصطلحاتُ والمَفاهيمُ النِّهائيَّةُ طويلاً. الفردانيَّةُ ثُمَّ الفردانيّةُ ثُمَّ الفردانيَّةُ: التِّرياقُ الوحيدُ لإنقاذِ الجُموعِ الأسيرةِ من براثنِ (مُراهَقاتِ الدِّيمغرافيا).

 

(8)

بلا نظّاراتٍ

ولا عدَساتٍ لاصِقةٍ

ورُبَّما بعُيونٍ مُغمَضَةٍ طَموحةٍ

وقلبٍ مَكْسُوٍّ بالفَضاءاتِ الحانيةِ

أراكُم كالياسمينِ المُهمَلِ

كُلُّ الأزهارِ تنتظِرُ لمسةً حنونةً

يا أصدقاءَ الدُّروبِ المُتعرِّجةِ

يا سُكّانَ الهواءِ النَّقيِّ في الصَّدْرِ

وأصحابَ الوعدِ الأخيرِ لغَدٍ يرفضُ العَنونةَ.

 

(9)

في المُصطلَح والمَفهوم: لا شيءَ اسمهُ أكثريّة أو أقلِّيّات، ولا هياكِلَ مبنيةً من قَبْلُ لحفظِ الألواحِ المُقدَّسةِ: مُجرَّدُ أعشابٍ ضارَّةٍ مُتناثِرةٍ هُنا وهُناكَ بحاجةٍ إلى اقتلاعٍ نهائيٍّ بلا أيِّ وازعٍ.

 

(10)

لذَّةُ البَتْرِ لا حُدودَ لها: البَتْرُ مِفتاحُ التَّباعُدِ، والتَّباعُدُ ذاتٌ تبصقُ بمُتعَةٍ في وجهِ مرآتِها!!

 

(11)

التَّعميمُ أو الإطلاقُ غيومٌ حزينةٌ لم يفهَمْ أحَدٌ اختلافَ هَواجِسِها باختلافِ مَصادِرِها.

 

(12)

كُلُّ تطهيرٍ عرقيٍّ حركةٌ انقلابيَّةٌ مُخفِقةٌ على الكُلِّيِّ: مِصيدَةٌ للفاعِلِ المُتوهِّمِ قوَّةً، وضعفٌ قادمٌ باتِّجاهٍ معاكسٍ.

كُلُّ تغييرٍ ديمغرافيٍّ حرْقٌ للبُستانِ بأشجارِهِ المُثمِرَةِ وأشجارِهِ اليابِسَةِ.

التَّقسيمُ حلٌّ زائِفٌ لمَنْ يعجَزُ عَنِ الاستجابةِ لنداءِ الحُرِّيَّةِ.

 

(13)

استيقظوا استيقظوا

الفراشةُ علَّقَتْ همسَةَ حُبٍّ

على نافِذَةِ اللهِ.

 

(14)

الهُوِيَّةُ تُؤسَّسُ بوصفِها مَشروعاً يوميّاً غيرَ مُنجَزٍ ما دامَتِ الحياةُ مُستمرَّةً، ولا مَسافةَ أمانٍ فيهِ لمُجامَلَةِ المَخاوِفِ والغيتوهاتِ..

الهُوِيَّةُ انفتاحٌ على مُستقبَلِ التَّجريبِ والخَلْقِ المُتسارِعِ كرفَّةِ هدبٍ لم تُخطِّطْ لشيءٍ مُنْ قَبْلُ..

الخَلْقُ ولادةٌ ليسَتْ وفيَّةً لأيَّةِ سُلالةٍ؛ إنَّما هيَ مُغادَرةُ رحِمِ كُلِّ انتماءٍ.

 

(15)

كينونةُ الانشقاقِ المُمزِّقةِ لأيَّةِ مُطابَقةٍ اعتدادُ الجَماليِّ بالحُرِّيَّةِ بينَ انكشافٍ يُرجِئُ الأجوبةَ دائِماً، وتحجُّبٍ يحتفِظُ بتجدُّدِ الأسرارِ.

 

(16)

قطْعُ الجُذورِ فتنةُ الحُرِّيَّةِ الأقصَى، والمُواطَنَةُ شهادَةُ وفاةِ السِّيالاتِ العصبيّةِ للمَنافي المُسمّاةِ دُوَلاً ذات حُدودٍ وأعلامٍ وسيادةٍ.

 

(17)

المُواطِنُ كاذِبٌ بطبعِهِ إنْ لم يتدرَّبْ على الخِياناتِ الكُبرى.

 

(18)

أنْ تخونَ يعني أنْ تحتفيَ بالغرَقِ في أقربِ دُوّارٍ وجوديٍّ ماتِعٍ يُحرِّرُكَ مِنَ: (الأكثليّاتِ)!!

 

(19)

تُعيِّنُ السُّلطاتُ هرميّاً أقفاصَ (الأكثليّاتِ) بتدويرِ صناعةِ الكراهيَّةِ والأوهامِ الشُّموليَّةِ، كي تضمَنَ أنْ تبقى الجُموعُ الغفيرةُ كالدِّيدانِ المُتصارِعةِ في قيعانِها، في الوقت الذي تتحالَفُ فيهِ الزَّعاماتُ حلقاتٍ حلقاتٍ باتِّجاهِ أعلى هرَمِ قبضةِ التَّحكُّمِ والإحضارِ.

 

(20)

(الأكثليّاتُ) تحويلُ الأكثريّةِ والأقلِّيّاتِ إلى دواجنَ وظيفيّةٍ تحتَ عباءةِ السُّلطاتِ المُختلِفةِ.

العداءُ على السَّطحِ الجَمعيِّ يُؤسَّسُ بحنكةٍ على هَواجِسَ ودعاياتٍ وإشاعاتٍ مُوَجَّهةٍ لتهييجِ المُستوى القطيعيِّ غرائزيّاً، ثُمَّ تكتيلِهِ تصاعُديّاً.

وهكذا، تتحالَفُ المركزيّاتُ البطريركيَّةُ لـِ (الأكثليّاتِ) برعايةِ السُّلطةِ السِّياسيَّةِ الأعلى حفاظاً على مَصالِحِ هذِهِ المَركزيّاتِ، وتأبيداً للُعبةِ الأدلجةِ الشَّعبيَّةِ حتّى لو استدعى الأمرُ تكرارَ تاريخِ الصِّراعِ والنَّفيِ والتَّكفيرِ والذَّبْحِ والإبادةِ وجميعِ أشكالِ التَّناحُرِ والإقصاءِ.

 

(21)

الخُطوةُ الأُولى نحوَ مُعانَقةِ الوجودِ الأصيلِ تكمنُ في أنْ نتقيَّأَ للتَّوِّ أُكذوبةَ التَّعايُشِ الفلوكلوريَّةِ.

 

(22)

الكينونةُ ثورةُ (الأكثليّاتِ) حينما تفتَحُ جميعَ الحكايا المَسكوتِ عنها كنوافِذَ لتبادُلِ التَّحيّاتِ والاعترافاتِ وحتّى الصَّفعاتِ الأصليَّةِ، حيثُ يُنقَلُ حقلُ الصِّراعِ من الشَّفويّةِ الجوهرانيَّةِ المُقنَّعةِ إلى التَّفاعُلِ التَّجريبيِّ المُتحرِّكِ، فالأوطانُ القادِمَةُ رقصاتٌ كُلَّما انفضَّتْ حفلاتُها، أسَّسَتْ لالتباساتِ الحضارةِ العظيمةِ المُشتهاةِ على مَرِّ التّاريخِ.

*****

خاص بأوكسجين

شاعر من سورية. من مجموعاته الشعرية: "قبل غزالة النوم" 2006

معلومات الصورة
الصورة من أعمال الكاتب الألماني غونتر غراس (1927 – 2015)

مقالات أخرى للكاتب