الأغاني التي تضيعُ في كل مكان | وائل السلطان

العدد 222 | 15 تشرين2 2017

(1)

كنتُ أهبُ الحصادَ أسماءً 

وأنقشُ على الأغصانِ مرثيتي، وأضيعُ في الريحِ.. 

أرثُ من الطيرِ نظرةً أبعدَ من تينةٍ ناضجة.. 

واسمي الحقولَ، بأسماء الذاهبينَ إلى ما وراء الحقولِ.. 

أولئكَ الذين تلاحقهم الأنهار الخائبة.. 

وتبني العناكبُ بيوتها بين أصابعِهم المضيئةِ بالرعدِ والتجارب الحرة بالكتابة والألم.. 

كنتُ أغنّي، فيضيع صوتيَ في كل مكانٍ 

أعطشُ، فتصيحُ اللغة الأولى عليَّ:

الأنهار تخنقها الجثثُ الطافحة 

الغيمُ يخنقهُ المدّعونَ بألوانهم المزيفة.. 

الجفاف، الجفاف نفسهُ، ميّتٌ لكثرةَ ما تكلمَ عنهُ المبللونَ.. 

هم أخوتكَ، وأبناؤكَ، من قتلكَ كلّ يومٍ 

لأنكَ، في ليلةٍ ما، اضأتَ وتركتَ كومةَ أوراقٍ تُغنّي وحدها..

 

(2)

عندما كنتَ وحيداً، جئتُ اليكَ، وكانت الارضُ غير موروثةٍ، فصرنا عاشقينِ.. 

ولمستَ بقلبكَ، رسائلَ البعيدينَ، ولونتها  بالحنينِ والألمِ، 

وعندما تركوكَ مصلوباً، على نافذةٍ تحدّها الأفياءُ 

قلتَ: شكراً، واصطحبتَ القصائد إلى فراشكَ الباردِ، 

لا معنى للبكاء، لا معنى للحكايات التي تنتهي بكلماتٍ بسيطة.. 

لا معنى لأغنياتٍ كانت تضيءُ مثل زيت القناديلِ، وهي تنادي عليك.. 

خسرنا، ولم تُكسر الأيام برغبتنا 

ربحنا وأشعلنا أيامنا بخساراتٍ مرهفةٍ 

عندما أضعتُ عنوانك، استعنتُ بلهفتي للريح، كي أصف أغنية الضياع الوحيدة، 

وهيأتُ نوافذي لدخولك، لكنك كنت أكبر من انتظاري، 

أغلقتُ نوافذي وطارت عن الكتب الصغيرةِ الطيورُ، 

وظللتُ أضحك مع الجميعِ، لاسترجع اللحظة الباكية.

 

(3)

ابتدأتْ تلكَ الحقول، طفولتها، في قصائد غير مكتوبةِ.. 

وكنتَ هادئا، لتسمعَ ما يُندي الأحجارَ وما يكسرُ الريحَ من وجعٍ. 

هادئٌ مثلَ شجرةٍ يتسلقها النملُ..

جسديٌ معبأٌ بالأغاني 

وصوتي مضرّجٌ باحتمالاتٍ كثيرةٍ للحياة.. 

كنتُ أغنّي 

وهذا ما أستطيعُ حملهُ لأجلك أيها العالم..

*****

خاص بأوكسجين

شاعر من العراق.

معلومات الصورة
الصورة من أعمال الفنان الإماراتي حسن شريف (1951 – 2016) المعروضة حالياً في معرض استعادي (افتتح المعرض في الشارقة/دولة الإمارات في 4 نوفمبر الحالي وهو من تنظيم مؤسسة الشارقة للفنون ويستمر لغاية 3 نوفمبر 2018) هو الأكبر من نوعه لأعمال هذا الفنان الريادي بما يشمل مختلف مراحله الفنية وتجليات تجربته الاستثنائية.