إيتالو كالفينو: الهروب مـن الـقــنـافــذ | أحمد الزناتي

العدد 221 | 29 تشرين1 2017

في مقال قديم أُعيد نشره قبل أسبوعين بمناسبة ذكرى ميلاد الروائي إيتالو كالفينو (1941 – 1985)، يدرس الكاتب الإيطالي الكبير صنفيْن مِـن الكُــتـّاب: الكاتب الثعلب والكاتب الـقـنفذ. التشبيه قديم، وهو بــيــت مـنـسوب إلى الشاعـر الإغريقي آركيلوكوس يقول فيه: يعرف الثعلب أشياء كثيرة، لكن القنفذ يـعـرف شيئًا واحدًا كبيرًا. 

تعليق كالفينو جاء ردًا على الناقد الأدبي الإيطالي جيدو آلمانسي (1931 – 2001)، الذي كتب مقالًا يناقش فيه المقولة ذاتها في معرض تحليله لبعض آراء المؤرّخ والفيلسوف الإجتماعي الإنجليزي إشعيا برلين (1909 – 1997)، الذي طوّر هذه المقولة ليؤسّس عليها مبادئ نظرية في علم السلوك (سلوك الثعالب وسلوك القنافذ)، أي السلوك الذي يسعى وراء أشياء كثيرة متنوعة، والسلوك الذي يتبنّى رؤية داخلية محددة تتسم بالثبات والشمولية.

بالرجوع إلى مقال إشعيا برلين، الذي عرضت له "صحيفة الجارديان" بتاريخ 6 أغسطس 2016 نجدّ أن الرجلّ يعطي نماذج لـمـمثّلي كل مدرسة: الكتّاب القنافذ يمثلهم دانتي ودوستويفسكي وإبسن ومارسيل بروست، بينما يمثل الثعالب شكسبير وبلزاك وجوتـه وموليير.

يعارض كالفينو هذا المبدأ بقوله أنّ ثنائية (الكاتب الثعلب- الكاتب القنفذ) ستقودنا إلى تصنيف مغاير تمامًا لتصنيفكَ (مخاطبًا آلمانسي)، هذا إذا ما اتفقّنا على تعريف الكاتب القنفذ بأنه الكاتب الذي تتبنى أعـمـالـه نـسـقًا فـكـريًا وأسلوبيًا واحدًا وثابتًا، بينما يتخّذ الكاتب الثعلب استراتيجيات سردية وأسلوبية مـرنة ومتباينة وفقًا لظروف العمل وشخوصه.

".. لنضرب مثلًا؛ آلبرتو مورافيا نموذج واضح للكاتب القنفذ، من حيث محافظته على نسق فكري واحـد لا يتبدّل، أيًا ما كان الموضوع، وأقصد هـنا سواء من لغة السرد أم من ناحية الأفكار ونظرة الكاتب العامة للعالم، بينما أغيّر أنا (أي كالفينو) من أسلوبي ومنهج كتابتي من عملٍ لآخر، لإنني أؤمن بأنّكَ لن تستطيع أن تنزل النهر نـفـسـه مرتين. يضيف كالفينو: الحقيقة أنني كاتب ثعلب، رغم أنني أحْـلـم بكوني قـنـفـذاً في جميع أحلامي، ورغم أني أحاول كتابة أعمال تحذو حذو "الـقـنـافـذ، إذا تأمّلتَ كل عملٍ منها على حدة."

يسوق كالفينو مثلًا آخر، وهو المخرج والكاتب الإيطالي باولو بازوليني، الذي وصفه بالثعلب بسبب تبنّيه استراتيجيات فنية وجمالية، تختلف مـن عمل لآخر(الكتابة بالعامية أحيانًا، والعودة إلى البلاغة الكلاسيكية القديمة أحيانًا أخرى)، لكن رؤية بازوليني للعالم تبقى- رغم تنوعها- متماسكة في نـسق فــكـري واحد.

يلاحظ كالفينو في المقال نفسه أن ثنائية الكاتب القنفذ/الكاتب الثعلب غير صالحة  للتطبيق على الأجناس الأدبية كافّـة، وعلى الأخصّ على الأدب الإيطالي المعاصر، فيشرح:

"أعتقد أن المقصود بمنهج الكاتب القنفذ هو توظيف عدد محدود من التقنيات والأساليب السردية والتعبيرية، وهو ما يمكن أن يُعدّ، في الوقت ذاته، نقطة قوة باعتباره مــرادفًـا لانغماس الكاتب في ذاته في محاولته الكشف عن مناطق بكر لا يعرفها عن نفسه. بينما المنهج التجريبي في الإبداع، المنهج غير الخاضع لفكرةٍ أو نسق مُسبقيْن، المنهج الذي يسعى صاحبه لأن يعيش حيوات عديدة متناقضة، هو أسلوب الثعالب الذي أمثله أنا."

يعود كالفينو إلى مقولة الفيلسوف البريطاني إشعيا برلين، مُحاولًا تأويلها لتـخدم حُـلْـمه القديم الذي كان يحلُم فيه على الدوام بكونه كاتبًا قـنـفــذاً فيقول:"..الحقيقة أنّ مقولة إشعيا برلين صالحة للتطبيق على الأعمال الكلاسيكية العظيمة التي من خلالها يُمكن إدراج الكاتب القنفذ تحت مظلّة الكتّاب الكِبار، الذين يكتبون عملًا واحدًا عظيمًا، أقصد تلك الأعمال التي تعرف شيئًا واحدًا عظيمًا تسعى إليه طوال حياتها، في إشارة إلى مقولة آركيلوكوس.

بقليل مِن البحث في رسائل كالفينو، المنشور بعضها على شبكة المعلومات، نلاحظ أن الحُلْم الأكبر لديه تمثل في محاولة الخروج مِن عباءة جنس سـرديّ بعينه خشيه الوقوع في أسره طوال حياته، أي الهروب مِن حُلم القنافذ.

ففي رسالة مؤرّخة في ديسمبر 1949، بعث بها كالفينو إلى الناقد الإيطالي جينو بامبوليني الذي كتب مراجعةً لمجموعة كالفينو الثانية "الغراب يأتي أخيرًا"، يقول: ".. مشكلتي اليوم هي كيفية الهروب مِن الحدود التي فرضها عليّ ذلك النوع مِن الكتابة، أقصد من حصري داخل إطار كاتب المغامرات والحكايات الخرافية والهزلية، حصرًا لا أتمكن معه من التعبير عن نفسي، والتعرّف إليها."

وفي رسالةٍ أخرى بتاريخ مارس 1950، أرسلها كالفينو إلى الروائية الإيطالية الكبيرة إليسا مورانتي، يقول: "..الحقيقة أنني بالفعل سجين نـمـط محـدد من الكتابة، ولا بديل عن الهروب من ذلك النمط مهما كـلفني الأمر، أنا لا أسعى إلى كتابة عمل مختلف، بل إلى تحطيم ذلك الإيقاع السردي المتكرّر، وإلى التخلّص من الأصداء التي تصدح بها عباراتي..".

يبدو أن تأرجح كالفينو بين نمطي الكتابة السابقيْن، وهروبه من حُلم القنافذ الذي كان يُطارده، استمر حتى نهاية حياته. ففي كتابه النظري الأخير"ستّ محاضرات للألفية القادمة"، (إبداعات عالميّة/ المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت 1999 ــــ ترجمة محمد الأسعد) الذي انتهى مِنها عشية سفره لإلقاء المحاضرات في جامعة هارفارد بحسب أرملته استير كالفينو، ولكنّه تُـوفي قبل السفر إثـر نزيف حاد في المخ، يضع كالفينو نظرته العامّة لجماليات الأدب، ويُجمل فيه عصاره تجاربه الإبداعية المعرفية في سـتّ محاضرات مـكـثفـة.

عناوين المحاضرات هي: الخــفّــة، السـرعة، الــدِقـة، الـوضـوح، التـعدّدية، وهي صفات لا يُمكنها إلا أن تصف ثعلبًا؛ خفيف الحركة، سريع الإيقاع، دقيق التصويب، واضح الهدف، متعدّد الحيّل. في هذا الكتاب يحاول كالفينو استكشاف مواطن الجمال في الأدب، مـتسائلًا ما الذي يصنع الأدب الحقيقي؟ وعلى مدار صفحات الكتاب الصغير (118 ورقة مـن القطع المتوسّط)، يناقش كالفينو المبادئ السابقة، التي هي خصال الكاتب الثعلب المتعدّد الـمـتحّـوِر، الذي طالما طمحَ كالفينو لأن يسكـن مخيّلته. محاضرات الكتاب في مجملها تنويعات على لحن واحد: لتـكـن متعددًا مثل الكون، إذا استعرنا عبارة فيرناندو بيسـوا.

يختتم كالفينو محاضرته السادسة والأخيرة بالعبارة التالية، والتي ربما كانت آخر عبارة خطّها قلم كالفينو قبل رحيله:

"....ها أنا أصل إلى نهاية دفاعي عن الرواية كشبكةٍ واسعة. قد يعترض معترض بالقول أنه كلما مال العمل نحو تعدّدية الاحتمالات أكثر، كلما انفصل عن النواة الواحدة التي هي ذات الكاتب، وانفصل عن نزاهته الذاتية واكتشافه لحقيقته الخاصّة به... ولكن .. مَـن نحن؟ مَن هو كل واحد منا إن لم نكن مُـركـبًا من تجارب ومعلومات وكتب قرأناها وأشياء متخيّلة؟ كل حياة هي موسوعة، مكتبة، مخزن أشياء، سلسلة مـن الأساليب، ويمكن أن يُستبدل كل شيء باستمرار. لكن الجواب الأقرب إلى قلبي ربما كان شيئًا آخر، فكّروا بما يمكن أن يكون عليه الأمر في حالة امتلاك عمل روائي مُتصوّر من خارج الذات، عمل يسمح لنا بالإفلات من منظور الذات الفردية المحدود."

تتعدّد إشارات كالفينو في كتابه السابق إلى خورخي لويس بورخيس، الذي قال يومًا أن الكتابة ما هي إلا حُلم مُـوجّــه، وعلى الكاتب أن يحدد انحيازاته الجمالية، أي حُلم عليه أن يحقــقـه، وأي حُلم عليه أن يتجاوزه.

*****

خاص بأوكسجين

روائي وقاص من مصر. من رواياته "البساط الفيروزي: في ذكر ما جرى ليونس السمّان" 2017، و"ماضي" 2017.

معلومات الصورة
الصورة من رسومات رالف ستيدمان لرواية راي برادبوري "فهرنهايت 451"