إلى المرأة الأخرى | عزة حسون

العدد 233 | 14 تموز 2018

يستلهم هذا النص كتاب "ديانا: سيرة مُتخيلة"  (المدى 2018)،  تأتي هذه الشذرة التوليفية على شكل رسالة من ديانا إلى كاميلا، المرأة الأخرى في الزواج الملكي الأشهر. قد لا تكون ثيمة المثلث العاطفي بالأمر الجديدن ولكن ما من رعب أكبر من رعب المرأة التي منحت نفسها للحب وهي على علمٍ تام بأنّها طرف ثالث أو بديل بطريقة ما لامرأة أخرى. بينما كنت أترجم هذا العمل وقفت عند جمال هذا الخراب وتأملته ووصلت إلى فهمٍ تليباثي يقول إن المرأة الأخرى ليست عدوة بل هي امرأة جائعة للحب أيضاً، وهذا الجوع العميق ما تحاول هذه الرسالة المُتخيلة أن تُبرزه:

كاميلا،

ربما تستغربين هذه الرسالة وأنّها أتت بعد كل هذه السنوات الطويلة. ربما ستقولين لنفسك أنّ ديانا كتبت رسالة اعترافات حتى تبدأ بداية جديدة أو تمضي في حياتها بسلام. إن كنتِ قد فكرّتِ بهذا فأنتِ على صواب ولكن هذا ليس كل ما في الأمر يا كاميلا. أكتب هذه الرسالة لنفسي أيضاً فالماضي سيبقى حاضراً في مستقبلي وأريد السلام معه. أنا أدين بهذه الرسالة إلى نفسي. لا يمكنني انكار وجودك في حياتي بعد كل هذه السنين. كنت قد بدأت أتعرف عليك شيئاً فشيئاً، تفصيلاً تلو الآخر. كثير من البغض طفى على السطح بدايةً؛ بغضٌ أليف يشبه البغض الذي كنت أشعر به كل مرة أنظر فيها إلى جسدي ولا يعجبني. بغض طفولي عنيف أردت معه أن أسرق دميتي منك وألقي بكِ أرضاً، أن أشير إليكِ بالبنان ليضحك عليكِ أولاد الحي. كنت أبغضك جداً حتى على الماضي الذي لم أكن في إطاره. كان نومي دائماً نوماً متقطعاً وحضرتِ في كوابيسي كامرأة مشوهة تجرين ورائك عربة فيها طفلٌ ميت وتهوّدين له. كُنتِ تنظرين إلى الوراء وتبتسمين للجثة الصغيرة. وتكرر الكابوس وفي كل مرة كان الطفل في العربة ميتاً والتهويدة لا تتغير. وفي كل مرة أستيقظ فيها كُنت أبغضك أكثر وأعاود الحلم بطفلك الميت في العربة والتهويدة اللعينة طوال الوقت أيضاً إلى أن مرّت ليلة من دون أحلام وأفقت على شعور جديد.

لم أكن أتذكرك وكأنني كُنت في عالمٍ موازٍ أعيش قصة أخرى ومن ثمّ عُدتُ إلى هذا العالم من دون ذاكرة تستعيد ما حدث هناك. اسمكِ بات غريباً والتفاصيل اليومية التي تُذكرني بكِ باتت جديدة ولم يعد من خيط يربطها بقصتي. أصبحت أشك بوجودكِ وبأنّكِ حقيقية. انتابني فزعٌ غريب. حاولت أن أتلفظ باسمكِ في كل مناسبة علّ هذا يثير مشاعري القديمة وعلّني أراكِ في نومي مع الطفل الجثة والعربة والتهويدة. لا شيء. فراغ كامل. خفت كثيراً في البداية ثمّ بدأت أعتاد. اعتدت على فكرة أنني لا أعرفك ولا صلة تربطنا ولكنك في هذا الوقت كُنتِ تكبرين في مسار يتشابك أكثر مع مساري وشعرت بهذا التشابك يضربني كطوفان وهذا ما دفعني إلى البحث عنكِ مجدداً.

بدأت أنبش مرة أخرى في جثة التفاصيل وأكتشف شيئاً فشيئاً روابط جديدة تجمعنا؛ فناجين القهوة والأمزجة واحتقارنا للخطوط المستقيمة وحُبنا للطريق وشهوتنا لذات الأشياء الغريبة. ورغم أنني من كنت أنبش في هذه التفاصيل إلى أنّك كُنتِ تقتربين مني أكثر وترتاحين في جسدي شيئاً فشيئاً. أصابعي لم أعد أعرفها، إنّها أصابع أخرى، ضحكتي وحركات جسدي عندما أتكلم كّلها أصبحت غريبة. لم أعد أعرف نفسي. لم يعد شعوري حينها البغض ولم أكن أحاول نُكران وجودك بل أصبح شعوراً من نوع غريب كشعور الانتقال إلى منزل جديد. رعب وحماسة. أرعبني هذا الاحتلال فقد جاءت معه أمور لم أكن أملكها قبلاً وأحزان ومخاوف جديدة. كانت أحزانك ومخاوفك ترتاح على عجل في جسدي. أردت أن أهرب ولكن لم أستطع، أردت الصراخ ولكن ما من شيء يُفزع أمامي يبرر صراخي. سكنتِ جسدي بكل أشياءك وأحلامك وأحاسيسكِ. بأغراضكِ وأهواءكِ وأمزجتكِ وحكاياكِ وخيباتكِ وضحكاتكِ القليلة وزلاتكِ الكثيرة وثيابكِ الغريبة وطريقتكِ في احتساء القهوة وقلقكِ من الخروج إلى الشارع وحماسك للقاء الأصدقاء وغبطتك بحديث عفوي سمعته صدفة وتعنتك برأيك ونزقكِ ووقوفكِ الطويل أمام واجهات المحلات وحيرتكِ أمام المرآة واستعجالكِ للخروج وتدخين سيجارة على الشرفة. شعرت بكِ تحاولين أن تحثيني على أن أمدّ يدي إلى الأمام أكثر عندما أعانق صديقاً لم أره منذ زمن، وأن أسارع من خطواتي لأصل إلى مواعيدي المُسلية بشكل أسرع. شعرت بكِ تلفتين نظري إلى ترددي أمام المرآة وتملين علي كيف يجب أن أرفع شعري وأضع أحمر الشفاه. ومرة أخرى انتابني القلق، قلق من يُقاد إلى البحر ليتعلم السباحة لأول مرة. كانت الأراضي التي تحاولين أن تدليني إليها غريبة ومخيفة ولم أفكر قبلاً بدخولها. لم أفكر يوماً بأن أرفع شعري عالياً أو أكحل عيني بهذه الشدة أو أن أمشي بهذا الاستعجال مرة وبذلك الهدوء مرة أخرى. كنت أعلم أننا في عوالم موازية يحرّكها شخصٌ ما. يقرّب الأمكنة والأزمنة بمنطقه الخاص ولكن في كل تماس لنا كنا نتداخل أكثر.. أقلق وأضيع أكثر.

طوال سنوات زواجي كُنتُ على وعي تام بأننا كُنا ثلاثة في هذا الزواج. لم أكن سعيدة يوماً، لم يكن رجلي لي وحدي يوماً، كنتِ معنا في كل مكان بما في ذلك السرير، رائحتك كانت مزروعة في جسدي وبطريقة ما كنت مجرد جسد مضيف لرائحتك في غيابك. كم أحزنني هذا وأشعرني بالفزع! لم أشعر يوماً بالأمان بين ذراعي رجلي، أبداً! أتتخلين حجم الرعب؟ أحببت رائحة جسده ولكنه لم يعرف رائحتي أبداً. هذا الفزع يا كاميلا تحول إلى جوع. كنت جائعة جداً وضائعة أكثر وأمامك تاريخي الطويل من التهور شاهد على هذا الجوع. أتعرفين متى فهمت جوعي؟ أتذكر أنني كنت أنظر إلى نفسي في المرآة واكتشفت أن هناك شيئاً يجمعنا؛ تشابه في جبهتينا. حدّقت في جبهتي وشعرتُ أنني وجهاً لوجه أمامك. مسحت جبهتي إلا أنّ الشعور لم يذهب. كُنتِ حاضرة  جداً في جبهتي. وأدركت الآن سبب تقاطعنا في حكاية أحدهم. كُنا، أنا وأنتِ، انتقال آمن من ناصية إلى أُخرى. كان جسدانا يا كاميلا ساحة لمخاوف وشهوات رجلنا. حزنت علينا وأحببتنا كثيراً. أتذكر وقتها أنني حدّقت مرة أخرى في المرآة وابتسمتُ لكِ يا كاميلا، وربما ابتسمتِ لي في مكانٍ ما.

ديانا

*****

خاص بأوكسجين

كاتبة ومترجمة من سورية. من ترجماتها:"شاركني هذا الفالس" زيلدا فيتزجرالد (2018)، و ّديانا - سيرة متخيلة" ديانا كليهاني (2018)

معلومات الصورة
الصورة من رسومات المخرج الإيطالي بيير باولو بازوليني (1922-1975)