أنا سكران وأنتَ سكران | أحمد سواركة

العدد 172 | 4 أيار 2015

اسمعْ: اليوم قابلني الشخص الثاني وكان يبتسم

قال لي خذْ قطعة الحديد هذه وامضغها

ولأنّني من كهوف عميقة ومظلمة جئت

مِلتُ على الجانب الأيسر

أرسم مقبرة لشعبٍ نفق بالكامل

في هذه الأثناء، اشتقت لزجاجة نبيذ سوداء

لذا، صفعتُ رجلاً حكيماً كان يَمدّ عنقه للجميع

وعندما نهرني، تطرقتُ في حديثي إلى العادات السيئة 

التي أنوي تكرارها

كل هذا لم يحدث مرة واحدة

بل تكرّر في شتاءات كثيرة

وأنا ألاحظ زراعة الأسلاك الشائكة في حلق نيتشه

لأنني رسمت قناة عمومية في رأسه

وصرتُ أتحرّك منها  إلى الشوارع التي داخت من رائحة البول والكراهية

هذا عوضاً عن أنني في مثل هذه الأثناء فارغ

أتنقل في جبهة رجل فقير لا يعرف لماذا يموت الناس

وعلى الجسر

عند الحاجز الأمامي للعربات المسرعة

قابلت امرأة تكتب شعارها المفضل

وأثناء الكأس الأخيرة، بدأت تبكي

لأنّها لم تستطع أن تؤجل في حياتها شيئاً

لذلك، حرصت يومها على التسجيل في معهد السباحة

وأغلقتْ هاتفها يومين

ثم جرفتني إلى حانة زرقاء 

رقصت فيها ثلاث مرات

وفي كل مرة، تسألني: هل مازلت جميلة؟

تحدثت عن سنواتها الخمسين بتوتر

ثم اختفت خلف الليل والجسر

وأنا عدت من المنطقة الخالية

كي أدخن

وأشاهد، كيف يكون الفراغ شاسعاً

ويبدأ من كل شيء

ولهذا السبب، ناقشتُ توتر المرأة وحدي

وزّعته على افتراضاتي الذاتية

ووضعتُ مخططاً طويلاً كي أتحوّل إلى محلّل نفسِي

يبين لها 

ألا تخاف من الموت لأنه نوع من أنواع الحياة التي نجهلها

وألا تخاف من الشيخوخة لأنها تبرير لاختياراتنا الخاطئة

ثم عدت من جديد أضع مسوّدة، أعالج فيها

أعمَال الزمن في الجسد 

بدأت بالتجاعيد الأمامية، وما يظهر حول العنق 

بدأ صوتها يأخذ نوعاً من أنواع الشخير

وأنا أدفعُ الجلد الميت في السنوات القادمة

ثم، تدفقت من عينيها الدموع، وهي تشاهدني أبتعد

أنا لم أبتعد نفوراً من التجاعيد

أنا ابتعدتُ، كي أفحص المسافة الباقية لها، تلك التي تستطيع أن تجذب يداً ساخنة

لذا، سألت عن دورتها الشهرية مرتين

وتأكدت من نوع "الأفروديزك" الذي تتناوله من حين إلى حين

قالت: لا أرغب في رجل، بل في الشعور  بالرجل 

أنا أخطط للعودة غداً إلى الجسر

ومراقصة المرأة في نفس المكان

والتحدّث باستفاضة عن قضايا مصيرية تؤرقها

لكن، تغير الأمر

لم تظهر المرأة  في تلك الليلة

بل وجدت شخصاً يبكي على حائط مبنى قديم

قال إنه محارب متقاعد

وإنّه كان يجب أن يكون بائع كتب

إلّا أن شيئاً حال بينه وبين ذلك، وهو لا يستطيع أن يحدّده

وطلب مني أن أفهم معه ما الذي يشعر به

وأنا تركته لأتعشّى مع روائي قرّر أن ينتحر في العام القادم

قال: إنّه كتب كل شيء يعرفه

لذا، لا لزوم للبقاء في هذا الفراغ 

وفجأة جالستنا امرأة صغيرة في السن

وهي تتمتم بأن هيمنجواي أحمق

وأن هنري ميللر وهو يكتب مدار السرطان كان أمريكياً 

ورفضتْ أن تأكل، أو تشرب 

قالتْ إنها اعتمدت الحرمان منهجاً في حياتها

وأخبرتنا إنها تركت الغناء مبكراً ، واكتفت بجمع ثروة كبيرة

والآن تُربي أنواعاً كثيرة من الكلاب في مزرعة خاصّة بها

خرجت المرأة وهي تعوي تضامناً مع كلابها، وتنصحنا بعدم تضييع الوقت

صرت أردد في سري :"عدم تضييع الوقت" أربع مرات كل يوم

خصوصاً عندما أعود إلى البيت متأخراً

والجو بارد بعض الشيء.

 

*****

 

اركيولوجي: ردد الجالس أمامي وهو يشهق غليوناً رمادياً

وأضاف، لكي نفهم الإنسان.

شعرت بدوار أفقي يأتي على كل شيء

ثم شاهدته يضم حجارة بين يديه

ويوضح، بطريقة معرفية، نوع الخطوط المحفورة عليها، وطريقة حساب الزمن هناك

فمر نادل سمين يلهث

بصق على الحجر الكبير، ثم شرع في الغناء بصوت لم أسمع في حياتي أجمل منه

وبعد الأغنية قال للمُحاضر : أنا سكران وأنتَ سكران.

_______________________

شاعر من مصر

الصورة للفوتوغرافي التشيلي سيرجيو لاراين Sergio Larrain

*****

خاص بأوكسجين

 

شاعر من مصر. من إصدارته الشعرية: "أهوال صغيرة" 1999، و"أغادر جسدي" 2000، و"هواء سري" 2002، و"قاطع طريق" 2012

مقالات أخرى للكاتب

10 شباط 2015