أجندات غير أخلاقية | شادي سامي

العدد 216 | 19 تموز 2017

-1-

 

القطة لها كف أسد، فطنة نمر، ولها رئة صغيرة ومجهدة كما الفهد، لكنها هنا تحت يدي، تموء لأنها مجرد قطة، لها عقل انسان كسول.

 فكِّر كقط يتوق لخربشة، فكِّر كسلحفاة تُشعرها الحركة من حولها بالعجز، ولا تفكِّر كإنسان إذ أن المعاناة متوارثة منذ الأزل.

من الصعب دائمًا البدء من مساحة كبيرة وفارغة، الأفكار تنطلق من زاوية مجهولة، ثمة خلل في المؤثرات، وخلل أكثر جسامة في الاستجابة لها.

 الذاكرة مساحة شاسعة من التخيُّـل والإدعّاء، الأفكار المجردة لا تباغت الشعراء إلا في لحظات عجزٍ كاملة، الإلهام حيلة المَهَرة، والكون هذه الأيام خيالي بما يكفي لأن يدحض أيَّ خيال آخر. المشهد في غاية التعقيد، وأنا أحاول الانطلاق من مربعات طازجة، أحاول إعادة إبتكار براءة الأشياء/ الألوان/ الروائح/ الأطعمة .. إلى ما لا نهاية، وهذا عادة يتطلب جهداً نفسياً عملاقاً لا يتوفر سوى لدى الحمقى والأغبياء. هذه الطاولة كانت في القديم لشجرةٍ مستقرة، هذه الأنوار تفسد على النجوم بهجتها، وكل ما يخترق أذنيَّ من أغنيات/ ضحكات/ وحكايات فقط لتزجية الوقت، ليس أكثر من هذا. الآن في نظر الجميع، هنالك شخص لا يرتاح لحضوره أحد، أدار ظهره للجميع، أفسد القواعد المتبعة، وربما بفعلته هذه أجهض حلم فتاة تتطلع إلى أن يراقبها مجهول ما في مقهى شهير. البشر مهووسون بصنع الحكاية، الذاكرة هاجس يطارد الصغار والكبار على حد سواء، والخواء لعنة يمجهدها فقط العاطلون عن العمل، أثير التساؤل عن عمد، أطلق حواسي في الارجاء، ألتقط إشارات صحية، ثم أعاود اللعب،الآن المحيط بأكمله يخضع لي، البشر تافهون الى حد لا يصدق، الآن، في هذه السن المبكرة، أتفهم غثيان سارتر، رغبة باربوس المجنونة في مشاهدة الكل عاريات ، لكن ليس بعد، لم أصل لسعادة كامو التي جاءت كعادتها متأخرة، اذ أنني مت قبلها بزمن بعيد. النخيل شاهد أبدي على المراوغات الساخرة للزمن، السماء ليست سوى بيت كبير للنجوم الهائلة والغائبين الذين أطلقتهم الصدفة إلى هناك، البحر عجوز بما يكفي لأن يغير شيئًا من الأمر القائم منذ أبد، والأسماك بالبحر مجرد ذكريات، يموت بعضها حين يطمع في السرد أو حين يقترب من الفم المجازي للبحر: الشاطئ أقصد. ليست الأسماك ما تهمني الآن بقدر ما يهمني قط عجوز تسلل للتو إلى المقهى، يصيح الكل في وجهه "اخرج" لأنه عجوز، وقبيح قليلًا ربما! القط ليس قبيحًا تمامًا، ويشبه الى حد كبير صاحب المقهى، هل تكون هذه مجرد مصادفة؟ لا أترك شيئًا للصدفة، ربما كانت محاولة من عالم القطط للتقرب من الرجل الحاد مالك الأطعمة الفخمة والأسرة التي هي في كل الأحوال افضل حالًا من صناديق القمامة، القط هذا سليل عائلة قررت التخلص من وهم النوع، الندرة، والتفرد، عائلة نيتشاوية بامتياز، تنشد الخلاص وتؤمن بمبدأ الفرص المتساوية. أتتبع حواسي، أنصت الى الدخيل بينما هو يتجول في الارجاء بثقة عمياء، وخطوة مصممة: إن لم أصبح أسدًا، أو نمرًا، أو فهدًا، فما الامتياز الذي أحافظ عليه إذن؟ فلتذهب القطط وعالمها السخيف الى الجحيم، لتذهب القواعد التي أقرها البشر - برفقة النوع ، لا احتاج الى الحب، ولا التدليل. لا أطمع في وجبات مجففة، القمامة مفيدة أكثر لصحتي، الخشونة تضمن لي البقاء لفترة أطول، الدلال مفسدة، ويد النساء تخون دائماً، ليس هناك أضمن من حيلة كهذه، ربما أعجب بشبهي هذا صاحب المقهى، ربما لن أفعل، لكن ان تشبههم يعني أن تضمن البقاء في الجوار لأطول فترة ممكنة (هذا من قواعد البشر ( القطط لا تخجل من كونها حيوانات كسائر البشر، لذا بحيلتي هذه لن أفسد نصيبي من الجنس، إذ إن الجمال والوسامة مفاهمان فاسدان لا يليقان سوى بهذا الكائن العاجز حتى يومنا هذا عن تحديد هويته.

 أريد أن اخبركم سرًا صغيرًا عن عالمنا السري:  القط الأسود ليس فحلًا كما هم رجالكم اصحاب البشرة السمراء، والقطة البيضاء ليست مرغوبة أكثر من البنية أو الحمراء!

 الجنس مجرد وظيفة بيولوجية بحتة، في عالمنا كما الدلال مفسدة، المتعة ضلال، والبقاء للنوع شعار بائد. البقاء لنا، وليذهب النوع للجحيم، الحياة لنا، كما تريد الحياة وليس كما نريدها نحن، وليس كما أرادها أسلافنا لنا، نحن أبناء التطور الهائل، نترك الكل في ضلالته ونعيش في كنف اكتشافاتنا المقدسة، ما سوف لن نكرره بعد الآن:  توثيق التجربة.

القاعدة تنطلق الآن، من هنا وإلى الأبد، في عالمنا: على الكل أن يساهم بتجربة، ما من تجربة سابقة، ما سبق قد مات، اللاحق غيب، الجدوى أن تحيا، العدم أن تخطط لذلك، الإنتصار أن تضحك ولا تكترث، الشعور هلاك، والعقل أسطورة بشرية بائدة لم نُخلَق بها، لذا لا جدوى من محاولة إقحامه في المعادلة.

 أتخلص من قطي، صديقي الجميل، وأعود للضحكات السخيفة في الوراء، الأصوات تنتشلني من عوالمي المجنونة، والبشر قبيحون للغاية حين يحاولون لفت الإنتباه.

 

 

-2-

 

أملك رؤية نافذة لحل الإشكالات السياسية وفق أجندة غير أخلاقية بالمرة، الواحد دائمًا مدعاة للمشكلة، الكسور، والأنصاف، والأرقام قبل الفاصلة: تعيش في الهوامش مستقرة، ُمحقَّرة، وتنام بعينين مغمضتين، لأن أحدًا لن يحتاجها في الجمع، اذ أراد رقمًا كبيرًا. ولأن البشر مهووسون بالأرقام الكبيرة، علينا قتل الهوس هذا، بقتل الوحدة، بتر الدعوات التي تطالب بها، وقطع كل الطرق أمام عملية جمع تصنع من الصفر -عديم القيمة والجدوى- بجانب الواحد -الذي لا يعوَّل عليه وحده أبداً- رقم ضخم في المعادلة.

البحث عن الحل يتلخص في الكشف عن الجذر، العباءات تقليد قديم، ولفضح اللعبة ينبغي ان تمتلك حدس كلب بوليسي قادر على اصطياد الرائحة خلف الزيادات، التعري يوقف التداعي في الحلم، وامام الجسد العاري ستنكشف عدم حاجتك للفلسفة وسينكشف زيف الافكار الصامدة امام الأجسام المنغلقة على نفسها كسرٍ عصيّ على الحل او التأويل.

 الهوية اولوية ومخرج دائمًا، السؤال: ماذا لو كانت الهوية نفسها غير معرفة او محققة؟

الغرق في التاريخ هو موت للمستقبل، التحديق في اللحظة يعيق الحركة للأمام، لا مانع من الاستخدام، النقل، وان كانت الافضلية دائمًا لإبداع ما يناسب قامتك.

الديموقراطية وسيلة غبية لاقناع العبيد بأنهم قد اختاروا اسيادهم، العبيد يبقوا عبيدا والسادة متبدلون عبر الزمن، الرأي الواحد إن كان مجردا يتبعه الكل، والاراء المتفرقة لا يمكن ان تخلف وراءها غير الضوضاء وكم هائل من الشعارات الرخيصة.

الخلاص لفظ ديني، الحرية مطلب العجزة عن الانتقام او الظفر، الحروب سوق أسلحة، والذي لا يفطن للعبة سيرهقه السؤال.

الأفكار التى تلقى رواج عند الكل ينبغي تصنيفها كأفكار خطرة، على الفكرة التي نتبعها ان تجد صعوبة ما في التحقق.

 جماهير، مجتمع، شعب، وطن: ألفاظ يجب تجريمها.

المساجد، الكنائس، والمعابد، يجدر بنا استغلالها كساحات لتعليم الرقص.

الدين والحب ينبغي أن يبقيا كأشياء ملغزة.

*****

خاص بأوكسجين

معلومات الصورة
الصورة من أعمال الكاتب الألماني غونتر غراس (1927 – 2015)