أتمتع بوقتي أخيراً | صلاح فائق

العدد 188 | 1 آذار 2016

نزعتي التأملية وكوني شاعراً

لا يتكفلانِ ملاذاً لي من الزمن

بعدما ارتقيت، سنواتٍ، سلالمَ 

لأصلَ أخيراً الى لا مكان.

في الطريقِ مررتُ بدارٍ للعجزة

وبأطفالٍ يحفرون قبراً.

*

أنت يامن أمعنتَ في كتابةِ رسائلَ

إلى لا أحد، وأحياناً إلى نفسك،

نفرتَ من سائقي العربات وخدم الفنادق

فهمتَ القليلَ عن أمك

وأقلّ عن أسرار المرابين،

استغنيتَ عن دفء الفراشِ وإغراءاتِ أرامل

كل هذا لتصيرَ عرّافاً، ولستَ بعد.

*

لا أتذكرُ متى كنتُ شاباً

عشتُ سنواتٍ طويلةٍ، منذ مراهقتي، في

متاهاتِ روايةٍ لدوستويفسكي، وأعواماً

داخلَ ألف ليلة وليلة.

ذات فجرٍ، عثرتُ على مخرجٍ

من هناك، شاهدتُ نفسي، بمرآةٍ 

في الخمسين من عمري:

كان ورائي حشدٌ من جيلي

وخلفنا أفكارٌ، آمالٌ مبعثرة:

قبل أيام تذكرتٌ صديقتي الأولى

صادفتها، مساء أمس، خادمةً في حانة.

 

***

 

أتمتعُ بوقتي أخيراً ـ كلماتي بلا ندمٍ منذ فترة

أكتبُ لأتعلّم، لديّ بضع ساعات لهذا كل يوم

مشهدُ الغروب يستحقُ الكتابة، أقولُ لنفسي

كذا قيثارة محطمة في ساحل.

*

لستُ حائراً بسبب رغباتي

لكي أحققها، واحدة بعد واحدة

أعلّقها بمسمارٍ من السقف

فتتدلى فوق سريري.

*

أخطائي كثيرةٌ لأني أعزل 

سردُ حياتي شغلي كل يوم بالكتابة :

صرخاتٌ مبعثرة داخل رأسي

لمجانينَ ينتظرونَ متى أكتبُ

كي يخرجوا، متدافعينَ، من نهايةِ قلمي.

*

كن لعوباً، عزيزي الشاعر، في كتابتك

دعنا نسمعُ، من الكلمات، غناء حيتانٍ 

نتفرجُ على رقصة من قدماء مصريين،

وأسودٍ من بابل تقعي أمام زقورات وتتثاءب .

لتكن قصيدتك بجناحين، تحملنا معها أينما تطير

في هذا الكوكب، أو الكون.

 

***

 

في النصف الأول من هذه الليلة

أشعرني مهزوماً، لا يجعلني ذلك حزيناً،

بينما تعمّ احتفالاتٌ حول هذه البلدة

وتغصّ بمهرّبين وحقائبهم .

إنني أقلّ أهميةً من متمردِ ضاحيةٍ أو جبل

ومن راقصٍ وسطَ ساحة .

هذا ما أشعرُ ـ لستُ ماهراً في تزوير حقائقي

أحلامي لا تتلاءمُ مع هواء كهذا .

حرائق المخابز والمناجم ليست كافيةً

بدائلَ عن هذه المحنة، ولا أي ثور مجنحٍ

أو قيثارة بابل المحطمة :

هناك شيءٌ يأبى أن يُنسى.

 

***

لا جدوى من تأويلِ كتابتي،

أو تفسير صوري التي تُدهشُ

لا شيء يثيرُ اهتمامي حول الشاعر

بعدما وزّعَ آمالهُ وذكرياته، في هذا المقطعِ

أو ذاك، على حشودٍ وأصدقاء قدامى .

سيبقى ما كتبَ أو قالَ، حتى إذا لم تصلْ حمائم مهاجرة

لتحتفي بهِ بهديلٍ ورفرفةِ أجنحة.

*

أنا عاشق محطاتٍ مزدحمة في المدن

وحدائقها الصيفية

هنا يسحرني المحيطُ فارغاً من سفنٍ

خفرِ سواحل وقراصنة.

*

حين تضاء مصابيح الشوارع كل مساء

يتجاهل الجميعُ قمراً كاملاً وسط السماء وعلى

المياه، ثنائي وامتناني له لا يلائمانِ كرمه

ولا استنكاري لجهلِ سكانٍ هنا

وجحود آخرين هناك 

ثم إن الكلمات ثقيلة وقت الغسق.

*

أتمطى على رملٍ خشنة

قربي يستلقي نهرٌ يثرثرُ بلا توقف

لا أتحمله، أقومُ وأخبره عن أشباحٍ، جائعة وعطشى،

ستصل هنا بعد قليل، فيهربُ

بعدهُ، مرة أخرى، أتمطى على رملٍ خشنة

أتطلعُ الى آلاف النجوم وافكرُ :

لن اصلَ إلى إحداها مهما فعلتُ

رغم أني تلقيتُ دعواتٍ لزيارة واحدةٍ أو أكثر

لقراءة مختاراتٍ من قصائدي هناك.

*

تغفو مثل صيفٍ متأخر

بعد عودتك من مستشفى:

فحصك أطباءٌ وعثروا على أشخاصٍ من كواكب أخرى،

بلا أفواه ولا أصابع، 

ثم وجدوا أحداثاً منسية من وطنك القديم

داخل كوابيس خفيفة،

وأخيراً شاهدوا أحلاماً، أحدها تُعين شجرة صنوبر وحيدة ,

أمام بيتك، على تحملكَ 

وهناك من يرافقك في جولاتك، نومكَ في مقهى

وتحت سريرٍ ورثتهُ من عاشقٍ انتحر.

 

***

 

في بداية كلماتي الحظُ ساعاتٍ محطمة 

ينقلها لصوصٌ سعداء إلى نسائهم

بيوتهن عربات قطار مهجور

أعبّرُ عن تقديري لهم ولهن بهذه الكتابة

وفيها حصانٌ يصهلُ بلا توقف، بدل أن يتأوهَ

مثل أشجار قريبة، متألمة، لتأخر طيورها 

أتضامنُ مع هذه الأشجار

أنصحها أن ترتابَ في نداءات استغاثةٍ 

تحملها رياحٍ تندفعُ من ثكنة.

*

أمواجٍ صديقة، ألوانها تبهجُ 

أركل ذكرياتي عن مدنٍ وأرياف بعيدة، بين فترةٍ وأخرى

وأعيدُ قطاراً تائهاً إلى مرسليهِ :

فيهِ أكوام ثياب لضحايا زلزالٍ لم يحدث هنا .

*

نعاسي مهمومٌ، أقومُ وأشدُّ قصائد لي حول مروحة

تدورُ، فتنهال منها فواكه، قمصان

يسقطُ زورقٌ صغير، ثم قارب يجذفُ فيه أعمى بحماس

لا يدري الى أين، ولا أنا

أخيراً يهبطُ رهبانٌ، ويفرّون من شباك.

*

ما أحتاجُ أو أريدُ، موجودٌ فيَّ

لا أطلبُ أي شيء من أحد، حتى من أمي

مثل قميصٍ، جريدةٍ قديمة، أو جماجم فارغة لعصافير.

إنني عطوفٌ جداً: أقفُ الآن عندَ هضبةٍ

وأرحبُ بنهرٍ مريضٍ وصلَ اليومَ لاجئاً 

من إحدى القارات.

*

لا أكفُّ عن المشي في جنائز لا أعرفُ موتاها

حين تصلُ احداها الى طاحونةٍ مهجورة، أدخلها

باحثاً عن أعشاش طيور لأطمئنّ عليها

وعلى ثعابين تنامُ في ثقوب كبيرة.

كفى يا رجل! كنتَ كريماً مع طباخين

اعتكفتَ طويلاً ورأيتَ قمراً يمرّ بين نهدين.

___________________________

شاعر عراقي، من جماعة كركوك الأدبية. أصدر عدة أعمال شعرية نذكر منها: "رهائن"، "تلك البلاد"، "مقاطعات وأحلام"، "رحيل وغيرها. ترجمت قصائده إلى الإنجليزية والفرنسية والكورية. يقيم حالياً في الفلبين.

 

اللوحة من أعمال التشكيلي السوري نذير نبعة الذي فارقنا في 22 شباط 2016

*****

خاص بأوكسجين