آخَرُ الصمتِ | سماح البوسيفي

العدد 222 | 15 تشرين2 2017

 

(1)

 

لأغمس شهقة الآه بصدري،

في الماء،

في اللغة،

في الشعر،

لا أحد تكلم عن الكائنات الشعرية التي تمشي ولا تتكلم!!

لا أحد اعتبر الكلام ثالثاً بين مكانين،

القلب والعقل.

ولأني لم أكن عاقلة بما يكفي أهدرت عقلي بالركض الطويل في رأسي!

ولأني فقاعة سأمشي تاركة أخطائي في الماء والصابون،

لا أحد ينظف خلفي!

فأهدي الخط الأبيض للأسود!

ولأنني لم أحسم مشاغلي كلها ما زلت أنعطف بالكلام لحضن ثالث،

كان دائما حضن أمي.

أحسب آخر عرَقٍ بلل ثيابي حلما تفشى في قلقي الغريب..

ولأني امرأة أطبخ

الحب كذلك على طريقتي:

أرش في منعطف من الكلام وقع قلبي،

هكذا!!!

فأحب أشياء ما زالت لا تمشي..

ولأن الحب أفضل مكان لتعرية الأسرار،

أفضح الخط الشائك بين رأسك ورأسي!

يوجد بيننا أشياء لا تتكلم. هناك بيننا شعر عظيم....

حين نصمت في النص،

فإننا تكلمنا أبعد من هنا!

حين نركض،

في مسامع الآخرين!

فإنّ الكلام،

نص.

والصمت آخرُ...

أولاهما هو هذا النص!

وآخَرُهما،

صمتك وأنت أبعد بكثير.

 

(2)

 

أيها القارئ

نحتاج كتابة نسقط منها جميعا في العراء،

سأكذب فتسمع صدقي،

وسأقول ما لا تفهم ولكنك ستشعر بكل ما لن أكتب!

في الشعر سنتحدث حين تكثر الأخطاء الشائعة نواري سوءاتنا اللغوية،

فأحتاجك لرفع مظلمة الشد والرفع والنصب والشواء،

وتغفر لي انشغالي عن اللغة وقد أغفر لك ما تشاء.

***

فهل يمتلك قارئ مثلك شجاعة قراءة نص؟

فيقيس حرارة اللغة يشتد حنينها لصدره،

فتهجر النص.

النص أيضا خارج سياق النص!

يظل الورق عائما في حروفه،

ويشتعل الخيال بمعاني الكلام!

في سطر شعري تغلب فيه النثر على الخيال،

تطفل فعل شائع على خبر قادم من قلب صاحبه بذرة لم يمسسها،

إنس ولا جان،

اتسعت حدقة اللغة وعبرت بصاحبنا فلان سطرا أولا نحو سطر ثان،

دون أن توقع بينه وبين قلبه،

سألته عن إمكانية عبور هذا النص دون أن يقع في مطبات الخيال!

فتنفرج اللغة وتتسع معانيها!

فيكبر حجم النص.....

نقطة وعودة لسطر جديد.

**

 

من جديد

في آخر مرة حين ماتت اللغة أتَذكر؟

جربنا كتابه نص أوسع من اللغة وأشد ضيقا من الخيال،

حينها كتبناه على أجزاء،

في البدء أشعلنا حطب اللغة،

مدخل ومخارج وأبواب!

جعلنا الفواصل كراسي للنوم وأحيانا للاختباء والهذيان،

نظرنا للنص كان ممددا في كفنه الأبيض!

دون أن يقول شيئا لامعا.

طاف في خلده قارئ جبان،

لم يمسس الخيال وتمدد في الفعل الذي استعمل لتمضية الأحزان،

ذاك الفعل الشائع الذي نستعمله لنأكل ونمشي وننام.

ودخل النص من بابه وخرج دون أن يرد السلام،

ثم كتب في اليوم التالي في صحيفة لامعة عن القصيدة الحداثية!

لم تغير ملابسها كما أن ربطة شعرها كلاسيكية،

هنا لا فرق بين الشعر والنوم والهذيان،

حين تمدد ناقد في الطريق المؤدي لحلق الشاعر،

طلب منه أن يمد لسانه بقول فصيح،

فيخرج الماء من صحراء حلقه لزراعة الاشجار

أولا في صدر قارئ،

ثم أيضا في عداد كتابه الذي يعتبر نقدا مثمرا يطرح الموز والخوخ والرمان.

يدخله باحث لم يطل عمره القصيدة العجوزة،

لكنه سمع عن فوائد الكتابة عن الاطلال والصراخ بالقافية وبالأوزان،

حين يقام عرس لغوي في جنازة صحراوية،

لتثبيت الشجرة والبيت والخلان،

وقرع الطبول على مسامع جمهور كامل من المنصتين ...

لنقل هذا شعر،

نعم شعر،

والله شعر!

شعرُ.

*

لكن سيدي الجلاد:

كيف سنتحدث عن مضي الوقت وتقشير قصيدة للأحزان!

حين قطف شاب نبتة تنمو في قلبه،

نبتة لا تتكلم لكنها تمشي نحو الأمام،

وسحب الوصف من مسامع السرد وغمسه في الأحزان.

قاصدا إشاعة حزنه فتغلبت عليه أحزان الآخرين...

ونودي للشعر بمريلة المدرسة!

بهندام جديد!

وأحلام قديمة.

 

لست هنا مسؤولة عن انتشار بعض الأمراض النفسية،

كأن تنظر لنصى وأنظر لقلبك،

فأحتاج مرهما لغويا من داخل صمتك،

فتقول بشجاعة: هذا الشاعر طبيب!!!

فينسكب بيننا حب ود غريب.

 

فيصعد حينها من جملة قديمة معنى جديد،

فيتنفس الصعداء!

ذاك القارئ الذي بحث في كامل النص عن جملة يدفن فيها سرا قديما،

فاصطدم بمعجم لغوي عن الفقر والشقاء!

فأفصح عن سره،

فتبخر النص وبقيت الصفحة بيضاء.

 

(3)

 

لم نكن صادقين دائما في كل ما نقرأ لكننا كنا صادقين حقا ونحن نكتب.

القصيدة صغيرة جدا،

حتى نصلها،

ومعنا عقود كاملة من التفكير!!

لهذا أفكر،

دون هوادة!!

في حروب كثيرة تقع خارج رأسي،

لكني نادرا ما أخرج،

من المعارك الصغيرة،

ومن القصيدة ...

لأثبت لنفسي

أن للحرب الكبيرة دوما أسبابا صغيرة.

 

أُكتُب إذاً قصيدة بعيدة،

وانتَظرها حتما ستكبر،

وأقدح كل مرة في الحروب الكبيرة،

حتى تموت في قصائد صغيرة،

ثم،

انعطف بالمجاز دائما لأول سطر أمامك وأحرق المسافة بين النص وساحة المعركة،

في الشعر،

تورط!!!

كان تصب المجاز على الحقيقة لإشعال الموقد!!!

ولتقل حقا،

ما أبعد القصيدة!!!

*****

خاص بأوكسجين

 

 

 

 

 

شاعرة من تونس. من اصداراتها مجموعة شعرية بعنوان "المخطوط" 2017.

معلومات الصورة
الصورة من أعمال الفنان الإماراتي حسن شريف (1951 – 2016) المعروضة حالياً في معرض استعادي (افتتح المعرض في الشارقة/دولة الإمارات في 4 نوفمبر الحالي وهو من تنظيم مؤسسة الشارقة للفنون ويستمر لغاية 3 نوفمبر 2018) هو الأكبر من نوعه لأعمال هذا الفنان الريادي بما يشمل مختلف مراحله الفنية وتجليات تجربته الاستثنائية.