آخر أيام سلحفاتي | هيثم عبد الشافي

العدد 263 | 15 شباط 2021

أنا لست جميلة هذه الليلة يا صغيرتي... شعري غير مرتب، قدماي عاريتان، حذائي في يدي، وأحس بالتعب.

ها هي الشرائط الحمراء لأول مرة تفشل في هزيمة الصداع. ربما لا أحب الشرائط، لكنني أعشق اللون الأحمر... الأحمر في النار، في الشمس، في النبيذ، في الغضب، في ملابس الشتاء، على أظافري المكسورة المليئة بالتراب، أحبه!!.

لفي ذراعيك حول رأسي أرجوك، لا لا، قبليني وأخبري الليل أني متعبة، أو هكذا العلامات الزرقاء علي جسدي تقول أني متعبة وحزينة، لكن أنا مازلت قادرة على أن أضحك النجمات والقمر يحب حكاياتي.

إلى الآن.. ألعب أدوار العامل والمهندس والمعدات الثقيلة، وأجعل من ظهري أرضاً طيبة وواسعة تصلح لبناء مدارس الموسيقى.

أعزف لحنين وأصنع الآلات الشرقية وأردد النغم وأرقص مع طلاب الصف الثالث الابتدائي.. أنا أجمل معلمة هذا الصباح، وأحد لا يحب طلاب الصف الرابع مثلي.

في ساعة واحدة علمتهم أن الأوتار تبادلنا المحبة، وثقوب النايات بيوت آمنة، وعرفوا أن نحاس الترومبيت في الأصل كهوف أرواحنا، وخشب البيانو العتيق كان كل شيء قد تبقى من بيوت العازفين القدامى.

عرفوا أيضاً أن الآباء ليسوا دائما كما نظن، وبينهم قساة قطعوا الأوتار وخربوا بيوتنا الصغيرة في النايات وحولوا مدارسنا ملاجئ للحزن والأمراض النفسية.

آآآه، أي أثقل على قلب امرأة من الحزن؟ تُجلس ذكرياتها على كراس متحركة، وتعرف أنها ستكون أقل جمالاً في الغد..!.

من أجل لا شيء أنا حزينة، لا أضحك لا أبكي، والله يعلم أني أكره الحزن وأحب أشياء أخرى في الحياة.

أحب البحر مثلاً، سلحفاتي وأطباقي المطرزة، صناديقي الخشبية ورائحة بلادي فيها، المطر الذي بلل شباكي صباح عيد ميلادي، الأرز والخبز الحاف والسلطات، أحب جدتي، وماتت، أحب أفكاري وأموت في سبيلها لأني امرأة قوية، لكن أما بكيت بما فيه الكفاية لأني قوية... فقط لأني امرأة!!.

أاستسلم حقا يا صغيرتي؟ تموت سلحفاتي الزجاج وأستسلم؟!.

الفيلة الطيبة كسرت ظهرها وداست أطباقي المطرزة، وأعرف أنها لا تقصد وحزينة الآن، لكن تؤلمني ضحكات القرود وأنا ألملم الزجاج.

أرجف من نظرات الغدر في عيونها... طفلة كانت تلعب بالصبار وتقفز من الطابق الثالث على جبال الرمل وتكسر الزجاج بين أصابعها، تموت رعباً من هذه النظرات وتخنقها رائحة التراب في الزوايا والصناديق.

أخبريني.. أي بئر تتسع لسلحفاتي وركام المدرسة وسجادتي الحمراء وفستان زفافي، أنا لست ساحرة ولا بطلة في ملحمة السيرة الهلالية، أنا أحس بالتعب وحذائي في يدي وقدماي عاريتان وشعري غير مرتب وأظافري مكسورة... كنت أصلح لدور زوجة كاهن لا يجيد إلا الصلاة والتمتمة، أو ربما أكون أكثر قبولاً في زي راهبة سمراء الرب فقط يعرف سر هروبها للدير.

*****

خاص بأوكسجين

قاص وصحافي من مصر.

معلومات الصورة
الصورة من أعمال الفنانة سمحية بيركسوي (1910 – 2004)

مقالات أخرى للكاتب

24 تشرين2 2018